المؤكد أن للحرب الدائرة الآن في المنطقة تبعات ستتعدى الأهداف المعلنة، وسيكون لها تأثير طويل الأمد على الشرق الأوسط وقد ينتج عنها تغيرات مذهلة في التحالفات وفي الاستقطابات. وعليه فإنه يجب، عربياً، عدم الركون للتصورات الإسرائيلية والأميركية حول ما يجري كما أن التفكير في تصور عربي خالص يرتكز على المصالح العليا للدول العربية أمر محتوم. إن ما يجري ليس مجرد تبادل قصف قد يطول بالمناسبة أكثر من المتوقع، بل هو تحريك عنيف لقشرة الأرض في المنطقة ستنجم عنه تحولات كبيرة في دول الجوار. الأمر يتطلب رؤية عربية موحدة تجاه هذه التحولات المرتقبة وربما وضع سيناريوهات مشتركة للتعامل مع النتائج.
لقد كشف تعرض البلدان العربية عن الحاجة لوجود دفاع عربي مشترك. نعم، يجب العودة للأطروحات السابقة حول وجود قوة عربية مشتركة أو حلف عربي مشترك تكون مهمته الدفاع عن الدول العربية في حال تعرضها لاعتداء «غير عربي» حتى نتجنب الصراعات العربية الداخلية والاستقطاب داخل الحلف. يطيب للبعض تسميته «الناتو» العربي، فليكن، ولكن الأساس أن تكون مهمة هذا الحلف الأمن العربي الموحد ويكون قادراً عبر موازنات وخبرات وتسليح على الدفاع عن الأمن العربي دولاً وشعوباً. فقط مثل هذا الحلف يمكن أن يردع أي دولة تفكر في استباحة البلدان العربية لأي سبب، فمن غير الممكن أن يتم استهداف العواصم العربية في الخليج ويبدو الأمر كأنه صراع جانبي. إن وحدة المنطقة العربية عسكرياً يجب ألا تكون موضع نقاش. كان وجود مثل هذا الحلف مثلاً سيحمي السودان من التفكك وسيحمي الكثير من مصالح العرب الضائعة في أفريقيا، وكذلك لم يكن ليسمح لطهران بقصف العواصم العربية في الخليج العربي.
يرتبط بهذا البحث في مستقبل القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة إذ ثبت أن هذه القواعد لم تحمِ نفسها، بل إن الدول العربية هي من دفعت ثمن وجودها واضطرت للدفاع عن أرضها نتيجة ذلك. وفي كل الأحوال فإن الأساس البحث عن بدائل تتمثل في قواعد عسكرية عربية مشتركة. ولأننا ضد الوجود الخارجي في المنطقة العربية فإن المنطق يقول بوجود صيغة تمكن من وجود قواعد عسكرية منفردة أو مشتركة والاعتماد على الجيوش العربية في تطوير أي سياسة دفاعية وعدم الركون للقوى الخارجية.
إن أساس الأمن هو العقيدة الأمنية وأساس الدفاع المشترك هو وجود مصالح مشتركة، وكل هذا لا يتحقق إلا بين الأشقاء وأصحاب المصير الواحد. طبيعة التحالفات تحددها المصالح. فحتى «الناتو» بات موضع نقاش في السياسات الأطلسية المشتركة بين أوروبا وشمال أميركيا في ظل غياب التهديد المشترك الذي كانت تمثله الكتلة الشرقية. ما أقوله، إن هذه القواعد قد تكون وجدت وفق فكرة بدت منطقية وقتها في ظل سياسات تصدير الثورة الإيرانية ونزعة طهران التوسعية التي أفقدتها كل جيرانها بلا استثناء ولكنها الآن ومع التحولات التي تجري ستغدو فكرة ليست ذات جدوى، إذ إن الجدوى الحقيقية تكمن فقط في تطوير حلف دفاعي عربي مشترك ووجود قواعد عربية لهذا الحلف في المناطق العربية المختلفة تكون جبهة الدفاع عن المصالح الأمنية العربية وعن الأمن العربي.
يثير هذا التفكير الحقيقي بالسلاح النووي العربي. نتيجة الحرب على إيران لن ينتهي النقاش حول السلاح النووي بل ستزيده مهما كانت نتيجة الحرب. المشكلة ليست بالسلاح النووي بالنسبة لواشنطن وتل أبيب بل في طبيعة النظام، وعليه فإن السؤال حول السلاح النووي لن يتوقف، وإذ توقف في إيران سيبرز في منطقة أخرى ودولة ثانية. لذلك فإن دولاً مثل السعودية ومصر والجزائر إذا تعاونت يمكن لها أن يكون مصدر القوة النووية العربية المرتقبة. ما أقوله، إن وجود السلاح النووي العربي كجزء من استراتيجية دفاعية عربية مشتركة سيحمي مصالح العرب. لا يمكن تخيل أن نظاما إيرانيا علمانيا سيكون محباً للعرب وصديقاً لهم بل سيكون صديقاً لإسرائيل أكثر. ومهما تكن نتائج الحرب فإن الحاجة لسلاح نووي عربي يجب أن تنبع من تطلع عربي خالص ومن رؤية عربية صافية للأمن القومي العربي. إن هذا السلاح يشكل ضمانة العرب الوحيدة.
يرتبط بذلك تقديم تصور سياسي عربي لطبيعة النقاش الدائر حول مستقبل المنطقة. كما كل عربي فإنني اعتقد أيضا أن وجود السلاح النووي الإيراني لن يكون مجرد تهديد لإسرائيل بل أيضاً للعرب. وهذا واضح في أدبيات وخطاب النظام في إيران، وأيضا لا أحد يفهم لماذا وجود سلاح نووي في إسرائيل أمر مسلم به. تأسيساً فإن أي مبادرة عربية يجب أن ترتكز على نزع السلاح النووي من المنطقة كافة، وعليه فإن نتيجة الحرب يجب أن تشمل أيضا تفكيك سلاح إسرائيل النووي. وقتها في حال رفضت تل أبيب وسترفض ما لم يكن ثمة توجهات دولية صارمة فإن امتلاك العرب للسلاح النووي سيكون خارج النقاش ومفهوما. ما أقوله هو استغلال ما يجري للصالح العربي، فإما نزع سلاح الجميع أو التوجه لسلاح عربي.
وعطفاً على كل السابق فإن العرب بحاجة للتفكير في نتيجة الحرب الدائرة. فانتصار إسرائيل وأميركا سيعني وجود نظام صديق وصديق حميم لهما في طهران وبالتالي التقليل من محورية وأهمية المنطقة العربية بل محاصرتها بعدوين كارهين لهم: إسرائيل وطهران ما بعد حكم الفقيه، وفي حال انتصرت طهران أو لم تتمكن الحرب من الإطاحة بنظام آية الله فإن الأمر سيكون أكثر سوءاً وفي حالة التوصل لتسوية بين طهران وواشنطن فتأكدوا أنها ستكون على حساب المصالح العربية. لكل ذلك يجب وجود تصور عربي خالص وخاص حول ما يجري يستند فقط للمصالح العربية المشتركة آخذاً بعين الاعتبار التحولات والمخاطر القادمة. ما بعد الحرب لن يكون الوضع أكثر أمناً للمصالح العربية ما لم يكن للعرب أمنهم وفق رؤيتهم.
أخيراً هل هناك من يسأل عن مصير العرب المنسيين في إيران في حال تفككت البلاد أو تحولت لعراق جديد؟ هل من القادة العرب من يفكر على الأقل العمل على التخفيف من الضغوط الثقافية والعرقية عنهم وفرض حقوقهم الثقافية واللغوية. هل هناك رؤية وحقوق لحقوق سياسية!! ليتني اسمع هذا.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
