«الرئيس ترامب لا يحب الحروب».. هكذا قال ابنه إريك. وأغلب الظن أن هذا صحيح، فوالده لا يتوقف عن مديح نفسه في كل خطاب أو تصريح بأنه مَن أوقف الحروب ويصر على تأكيد ذلك. ويمكن لعلماء النفس أن يكتشفوا رغبته بالاستقرار وبعالم تملؤه الصفقات والعقارات والأموال والأرباح وليس الحروب والخسائر. ولكن يمكن لنا أن نقدر أن الرئيس ترامب من النوع الذي يصاب بالملل بسرعة، فمؤلف كتاب «الصفقة» ينجز كل شيء بسرعة على نمط فنزويلا ويعلن النصر، لكن يبدو أن هذه الحرب التي أدخله بها نتنياهو عنوة لم تأتِ رياحها بما اشتهت سفنه.
قالت إسرائيل في اليوم الأول للحرب منتشية بقتل المرشد وأفراد الطبقة القيادية، إن الحرب ستستمر لأربعة أيام. ربما كان ترامب يتوق لذلك ويتحضر للعبور من تحت قوس النصر قبل أن يكتشف أن «الحرب كالحرباء تتلون في الميدان» كما قال المفكر العسكري كلاوتزفيتز، وأن الميدان لم ينجز المهمة بسرعة رغم قطع رأس النظام ودخول القوة الكاسحة كما يسميها الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل بما لديها من قوة جبارة. إلا أن النظام الإيراني الذي جهز نفسه منذ أربعة عقود لهذا اليوم، تمكن من ضرب كل القواعد الأميركية في المنطقة العربية التي تم بناؤها خلال عقود طويلة بتكلفة مئات المليارات، وما زال يرسل الصواريخ على إسرائيل ولم تنتهِ الحرب على عجل. فالرئيس الأميركي كان مندهشاً قبل الحرب من أن ايران لم تستسلم من رؤيتها للحشود التي كان يجري نقلها للمنطقة، والآن، أصبح أكثر اندهاشاً ليطالبها بالاستسلام مرة أخرى.
من المبكر تقييم ما يجري، ولكن يمكن القول، إن هذه أهم حرب في المنطقة منذ العدوان الثلاثي على مصر العام 1956 والذي كان عبارة عن حفل وداع لنفوذ بريطانيا وفرنسا من المنطقة حين صمد النظام الوليد في القاهرة، بل إن نتائجها ستعيد توزيع العلاقات في المنطقة وبين المنطقة والعالم فإن صمدت ايران وحولت حرب الحسم إلى حرب استنزاف تكون قد أضعفت هيبة النسر الأميركي ما سيشجع كثيرا من دول العالم على تحدي العنجهية الأميركية والتمرد، وأولها أوروبا التي فُرضت عليها الجمارك وحرب أوكرانيا ويتم تهميشها وتجاوزها بقرار أميركي. أما إذا انتهى النظام في ايران أو استسلم فهذا يعني أن الاستسلام سينسحب على كثير من دول العالم ما يعيد تتويج واشنطن سيدته لعقود، وفي الطريق يكون قد جرى تجريف الثقة بالصين وروسيا كدول تقف مع المتفرجين في حفلة ذبح الحلفاء.
ستشهد المنطقة العربية تحولات كبرى بعد ما حدث لجهة إعادة توزيع القوة لصالح دول المركز؟ بعد عقود من المنافسة والمزاحمة على صلاحيات ورغبة بنقل ثقل القرار السياسي العربي نحو دول الهامش كما حدث لمركز الثقل الاقتصادي الذي فتح شهية دول الهامش لتنافس عواصم كبرى وحاولت أن تشق طريقها مع أفول عواصم المركز، والآن بعد ما تعرضت له وأصاب قوتها ومكانتها بشدة لصالح عواصم بثقل عسكري مثل القاهرة وبعد أن جرى اعتقاد أن القوة المالية يمكن أن تشكل بديلاً أقوى لإدارة السياسة لكن للصراعات حين تندلع رأياً آخر. فالتاريخ شديد المكر وتلك واحدة مما يمكن رؤيته كما قال كلاوتزفيتز يوماً، إن «الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى» أما العلاقات بين دول الشرق والعالم فتختلف ارتباطاً أيضاً بتلون حرباء الحرب. لكن لا يبدو أن النظام في ايران سيستسلم فالقوى الدينية لا تعرف إلا النصر أو الشهادة وتلعب الجغرافيا دوراً فاعلاً في تحديد النتيجة وهي هذه المرة في صالحها. فلم يحدث أن سقط أي نظام دون دخول قوات برية بدءا من أدولف هتلر وبنيتو موسوليني وانتهاء بالأسد وما بينهما من صدام حسين والقذافي والملا عمر. فمن سيغطي مساحة ايران برياً وهل هذا ممكن؟
لقد أدخل نتنياهو العالم في أزمة كونية بدأت نذرها مع ارتفاع أسعار النفط، والتي لن تتسبب فقط في إدخال أوروبا التي تشهد أزمة اقتصادية في أزمة أعمق بل تهدد بضياع الإنجازات المالية وتبخر التريليونات التي جمعها ترامب من بورصة «وول ستريت» وهو ما يقدره الخبراء بأنه سيدفع به إذا ما استمر مؤشر البورصة في الانحدار للبحث عن آلية لإنهاء الحرب وخصوصاً أن لديه ما يمكنه من إعلان الانتصار، فقد قضى على المرشد والطبقة السياسية والعسكرية في النظام السياسي وها هو يطالب ايران بالاستسلام وهو يدرك تماماً أن الميدان لم يصل للحظة الحرجة التي تؤهل لذلك لكنه يتمنى أن توافقه طهران، وربما سيكون سخياً في مديحها ومكافأتها إذا ما مدت يدها لإنزاله عن شجرة نتنياهو بالاستسلام وخصوصاً مع تنامي الشعور في الولايات المتحدة بأن الأميركيين يخوضون حرب نتنياهو ويدفعون من أجله المال والأبناء، فلم يكن هناك خطر يهدد أميركا حتى تذهب لهذه الحرب.
العارفون بطبيعة ترامب وضجره من القضايا الطويلة يعتقدون أنه من الممكن أن يعلن النصر، ولكن هل هذا يوافق نتنياهو الذي يعتبر أنها الآن لحظته الذهبية التي يجب أن تنتهي بإسقاط النظام؟ فإذا ما ترك النظام سيتحول إلى وحش يعيد مراكمة كل ممكنات القوة وربما تكون القنبلة النووية إحداها حيث انتهت فتوى المنع بمقتل خامنئي. لذا نحن أمام حرب شديدة التعقيد صعب التكهن بنتائجها ولكن يمكن التنبؤ بتأثيراتها وتداعياتها التي بدأت بالظهور في توزيع القوة الذي ينتظر اللون الأخير للحرباء.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد