كما كان متوقّعًا، جاء الاجتماع الأوّل لما يُسمّى مجلس السلام الدولي برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليؤكّد أنّه ليس إطارًا لصناعة السلام، بل محاولة مكشوفة لإدارة الصراع من زاوية تكريس الوصاية السياسية على قطاع غزة ، وانتزاعه من كونه جزءًا لا يتجزّأ من أراضي الدولة الفلسطينية المحتلّة، تحت غطاء إنساني–اقتصادي فضفاض.
انعقد الاجتماع في ظل غياب فلسطين كليًا، وغياب العلم الفلسطيني عن القاعة، في مشهد لا يمكن اعتباره تفصيلاً بروتوكوليًا عابرًا، بل مؤشرًا سياسيًا بالغ الدلالة على طبيعة هذا المجلس وأهدافه في تغييب فلسطين عن أي مسار يُفترض أنّه معنيّ بقضيتها. ويعكس هذا الغياب عقلية الوصاية وتجاوز صاحب الحق، ويؤشّر إلى مسار يسعى إلى معالجة “قضية غزة” بمعزل عن القضية الوطنية الفلسطينية الجامعة، وضمن مقاربات مفروضة من الخارج لا تعترف بالتمثيل الوطني الفلسطيني المعترف به، ولا بالحقوق غير القابلة للتصرّف.
اقتصر الطرح في الاجتماع على عناوين عامة حول إعادة الإعمار، والإدارة التكنوقراطية، وحشد التمويل، من دون أي تركيز على ضرورة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، أو تقديم آليات واضحة وملزمة للإعمار تضمن السيادة الوطنية وتخضع لسقف القرار الفلسطيني المستقل. وبدا الإعمار هنا أداة ابتزاز سياسي مشروطة، لا حقًا طبيعيًا ومشروعًا لشعب تعرّض لحرب إبادة ودمار شامل.
وفي السياق ذاته، كرّر ترامب الحديث عن “شعب غزة” بوصفه كيانًا منفصلًا، في محاولة متعمّدة لسلخ القطاع عن شعبه الفلسطيني وكيانه الوطني الموحّد، وإعادة إنتاج مقاربة التفتيت الجغرافي والسياسي. والأخطر أنّ ما صدر عن الاجتماع تجاهل كليًا مخاطر الاستيطان المتسارع، وجرائم وانتهاكات الاحتلال في الضفة الغربية، بما يعكس توجّهًا واضحًا لفصل المسارات، وتكريس ما يُسمّى “السلام الاقتصادي” كبديل زائف عن الحقوق السياسية، وعلى رأسها حق تقرير المصير، وفي مقدّمتها حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس ، وفق ما أقرّته الشرعية الدولية.
إن تحويل الإعمار إلى أداة ابتزاز، وشرعنة حلول مفروضة تنتقص من المرجعية الوطنية المتمثّلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، بما تمثّل من كيانية موحّدة للشعب الفلسطيني، يشكّل جرس إنذار حقيقيًا يستدعي موقفًا وطنيًا حازمًا ورفضًا شاملًا لهذه المقاربة. فلا يجوز للقوى السياسية الفلسطينية كافة أن تراهن على عامل الوقت، أو تنتظر مسارًا مختلفًا يُفرض من الخارج، أو تنشغل بحوارات شكلية لا تلامس جوهر الخطر الحقيقي ومتطلبات مواجهته. فالمشهد اليوم يُجسّد بدقّة المثل الفلسطيني: العرس بعموريّه وأهل البريج بتدبك.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
