‎في التاسع عشر من الشهر الجاري، يعقد مجلس السلام الدولي اجتماعه الأول في العاصمة الأمريكية واشنطن، بعد أن كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن عن تأسيسه في 22 كانون الثاني/يناير 2026، خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا. وقدّم ترامب حينها هذه المبادرة بوصفها إطارًا دوليًا جديدًا يهدف، في مرحلته الأولى ـ بحسب ادعائه ـ إلى متابعة الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار الذي أُعلن في قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بعد عامين من حرب الإبادة الشاملة التي شنتها إسرائيل على الشعب الفلسطيني في القطاع.
وقد خلّفت تلك الحرب واحدة من أفظع الكوارث الإنسانية في التاريخ الفلسطيني المعاصر، إذ أسفرت عن استشهاد وإصابة مئات الآلاف من المدنيين، وتدمير واسع النطاق للمنازل والمباني والبنية التحتية، فضلًا عن دفع أكثر من مليون ونصف فلسطيني إلى النزوح القسري والعيش في الخيام ومراكز الإيواء، في ظروف إنسانية بالغة القسوة. ووفقًا لما أعلنه ترامب، فإن مجلس السلام سيتولى أيضًا الإشراف على عملية إعادة إعمار قطاع غزة، رغم ما يشوب ذلك من ضبابية وتعقيدات وشروط إسرائيلية غير مبشّرة، وذلك في إطار خطة أمريكية شاملة مكوّنة من عشرين بندًا، قُدِّمت باعتبارها خارطة طريق لتحقيق ما يُسمّى بـ«الاستقرار» في المنطقة.
غير أن تطور الخطاب السياسي والإعلامي المحيط بالمجلس، وما رشح من ملامح تركيبته وصلاحياته، يكشف أن هذا المشروع يتجاوز بكثير مسألة وقف الحرب في غزة أو معالجة آثارها الكارثية. فمع مرور الوقت، بات واضحًا أن ما يخطط له ترامب لا يقتصر على دور إنساني أو رقابي محدود، بل يتجه نحو إسناد المجلس وظيفة أوسع، تصل إلى حد السعي لإعادة تشكيل آليات إدارة النزاعات الدولية، وربما استبدال الأطر متعددة الأطراف القائمة، وعلى رأسها الأمم المتحدة، بهيئة جديدة تخضع عمليًا للنفوذ والقرار الأمريكيين.
في هذا السياق، يثير المجلس جملة من الإشكاليات السياسية والقانونية، تتعلق بشرعيته الدولية، وطبيعة تمثيله، وحدود تفويضه. فبدلًا من تعزيز النظام الدولي القائم على التعددية واحترام القانون الدولي، يبدو أن مجلس السلام يُطرح كأداة لتكريس منطق الهيمنة، عبر نقل ملفات النزاعات من مؤسسات دولية شرعية إلى إطار انتقائي تقوده الولايات المتحدة، وتتحكم في أجندته وأولوياته.
ورغم انضمام عدة دول لعضوية هذا المجلس من منطلقات مختلفة، من بينها مصر والسعودية وقطر وتركيا وأذربيجان، إضافة إلى دولة الاحتلال، فإن مشاركة الأخيرة تُعد من أكثر الجوانب إثارة للسخرية والقلق في آن واحد. إذ تطرح هذه المشاركة تساؤلات جدية حول مصداقية المجلس وأهدافه، لا سيما في ظل وجود رئيس وزراء إسرائيلي مطلوب لدى محكمة الجنايات الدولية على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب. فكيف يمكن لهيئة تُعلن التزامها بالسلام أن تمنح منصة سياسية لمن يُشتبه بمسؤوليته عن واحدة من أوسع جرائم العصر الحديث؟
في المقابل، وفي إطار جدية هذه المحاذير، أبدت عدة دول أوروبية، مثل بولندا وإيطاليا والسويد، إلى جانب دول أخرى في الاتحاد الأوروبي، تحفظات واضحة على الانضمام إلى المجلس، أو رفضت المشاركة فيه صراحة. وقد عبّرت هذه الدول عن خشيتها من أن يؤدي إنشاء مجلس السلام إلى تقويض دور الأمم المتحدة، وإضعاف منظومة القانون الدولي، و فتح الباب أمام بدائل غير منتخبة وغير خاضعة للمساءلة، بما يهدد أسس النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية.
خلاصة القول، إن مجلس ترامب للسلام يطرح سؤالًا جوهريًا يتجاوز غزة وإعادة إعمارها: هل نحن أمام مبادرة حقيقية لإحلال السلام، أم أمام محاولة جديدة لإعادة إنتاج الهيمنة الأمريكية بأدوات مختلفة؟ ففي الوقت الذي تُرفع فيه شعارات الاستقرار والأمن، يبقى معيار الحكم الحقيقي هو مدى احترام هذا المجلس للأمم المتحدة ومؤسساتها وقراراتها المتراكمة منذ تأسيسها، وفي مقدمتها تلك القرارات التي أكدت الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، والتي حالت الولايات المتحدة دون تنفيذها، في خرق واضح للشرعية الدولية والقانون الدولي، واستبدالٍ لهما بمنطق الغطرسة والنفوذ.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد