‎تنشغل القيادة الفلسطينية، ومعها مختلف الفصائل والقوى السياسية، بتداعيات حرب الإبادة الجماعية التي تعرّض لها شعبنا في قطاع غزة ، وبالآثار الكارثية العميقة التي خلّفتها على المستويات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، فضلًا عن آثارها السياسية الخطيرة. فهذه الحرب لم تكن مجرّد عدوان عسكري واسع النطاق، بل شكّلت محاولة منظّمة لإعادة تشكيل الواقع السياسي الفلسطيني ودفعه نحو مسار منخفض ومشوَّه، يهدف إلى تجريف الحقوق الوطنية لشعبنا، وتصفية جوهر قضيته العادلة، وفي مقدّمتها الحق في العودة وتقرير المصير وبناء دولته الفلسطينية المستقلة.

لقد أفرزت حرب الإبادة هذه واقعًا سياسيًا هشًّا، تسعى أطراف دولية نافذة إلى استثماره عبر فرض مقاربات انتقالية وانتقائية، تعمل على تجزئة ملف القضية الفلسطينية، وتنقله من كونه ملف تحرر وطني إلى حصره في أطر إنسانية وإغاثية منفصلة عن سياقه الوطني والسياسي الأشمل. ويبدو واضحًا أن هذا المسار يُدفع به ويُقاد بشكل مباشر من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي تجاوزت مرحلة الانحياز للاحتلال، بل غدت شريكًا له في جرائمه بحق شعبنا الفلسطيني، وسعيها الحثيث لتكريس وقائع سياسية جديدة على حساب الحقوق التاريخية لشعبنا. وقد تجلّى ذلك في نجاحه في تحويل مبادرته لوقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر الماضي إلى قرار صادر عن مجلس الأمن حمل الرقم (2803)، في سياق مسعى حثيث لإحلال رؤيته بديلًا عن قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية.

في هذا السياق، يجري الترويج لما يُسمّى «المرحلة الانتقالية» في قطاع غزة، باعتبارها إطارًا لإدارة ما بعد الحرب، تحت ذرائع إعادة الإعمار وتخفيف المعاناة الإنسانية، على أهميتها وضرورتها لشعب تعرّض لحرب إبادة افتقدت معها كل مقوّمات الحياة. غير أن جوهر هذه الطروحات يتجاوز البعد الإنساني، ليصل إلى محاولة فرض وصاية سياسية وأمنية طويلة الأمد على شعبنا، وتحويل غزة إلى كيان منفصل أو ملف إنساني دائم، يُدار خارج المشروع الوطني الفلسطيني، وبعيدًا عن استحقاقات الحل السياسي العادل والشامل.

إن التحدّي الحقيقي الذي يواجه القيادة الفلسطينية والقوى السياسية كافة اليوم لا يكمن في كيفية إدارة هذه «المرحلة الانتقالية»، بل في كيفية التغلّب عليها وتجاوزها سياسيًا، وصولًا إلى إسقاطها كإطار تصفوي، والانطلاق نحو أفق الحقوق الوطنية الكاملة لشعبنا. فالمطلوب اليوم، دون تذاكٍ أو رهان على عامل الوقت، هو بلورة رؤية سياسية موحّدة تعيد الاعتبار للحقوق السياسية غير القابلة للتصرّف، وفي مقدّمتها حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس ، وحقه في تقرير مصيره على أرضه دون وصاية أو انتقاص. ويستند ذلك إلى قرارات الشرعية الدولية، ولا سيما الاعتراف الأممي بدولة فلسطين بموجب القرار 19/67 لعام 2012، فضلًا عن المواقف الدولية التي ما زالت تصطف إلى جانب حقوق شعبنا، إضافة إلى ما أحدثته جرائم حرب الإبادة من إدانة دولية لدولة الاحتلال وعزلها سياسيًا، باعتبارها دولة ترتكب جرائم حرب، وقادتها مطلوبون للعدالة الدولية.

ومن هنا، فإن أي حوار سياسي فلسطيني يجب ألّا ينحرف نحو نقاشات تقنية أو إجرائية حول إدارة «المرحلة الانتقالية» في غزة، لأن ذلك يعني الوقوع في الفخ الذي يُراد فرضه علينا. فإدارة الشأن اليومي، وتلبية الاحتياجات الإنسانية، وإعادة الإعمار، هي مهام ضرورية، لكنها تظلّ في إطارها الوظيفي، ولا يجوز تحميلها أبعادًا سياسية تتجاوز طبيعتها. وهذه المهام، بحكم تعريفها، يجب أن تُناط بلجنة من التكنوقراط، تعمل وفق رؤية فلسطينية جامعة وبأفق وطني واضح، يقطع الطريق على أي شكل من أشكال الوصاية الخارجية أو التدويل السياسي المقنّع.

أما الدور المركزي للقيادة الفلسطينية، وللقوى السياسية والفصائل، فيجب أن ينصبّ على إعادة بناء الوحدة الوطنية، وصياغة برنامج كفاحي وسياسي جامع، يربط بين مقاومة الاحتلال على الأرض، والنضال السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية، ويُفشل محاولات تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية إغاثية أو إدارية. فالمعركة اليوم هي معركة وعي سياسي بقدر ما هي معركة صمود ، ومعركة على تعريف المرحلة وأفقها والتعامل مع استحقاقاتها بشجاعة وحكمة .
إن تجاوز المسار السياسي المنخفض الذي أفرزته حرب الإبادة يتطلّب شجاعة سياسية، ووضوحًا في المواقف، واستعدادًا لمغادرة الحسابات الضيّقة، والانخراط في مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للثوابت الوطنية، ويضع حقوق شعبنا في صدارة أي مقاربة سياسية مستقبلية. ففلسطين ليست ملفًا إنسانيًا، وغزة ليست مرحلة انتقالية؛ إنّها قضية شعب يناضل من أجل حريته، ودولة مستقلة يحول الاحتلال دون قيامها، لكنها باقية في الوعي والإرادة والضمير العالمي، وتشكل شرطًا من شروط العدالة الدولية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد