من الواضح أنه على غير ما يقترح البيان المشترك الصادر عقب اجتماعات «فتح» و»الشعبية» فإن الحوار بين التنظيمين لم يصل للنقطة المطلوبة، إذ إنه خلا من أي ذكر لانتخابات المجلس الوطني التي دعا إليها الرئيس محمود عباس في تشرين الثاني القادم وعن الدستور الفلسطيني. بعبارة أخرى، فإن البيان غفل عن الموضوع الأكثر أهمية الآن في النقاش الوطني الداخلي المتعلق بإجراء أول انتخابات للمجلس الوطني منذ تأسيس منظمة التحرير، وربما أيضاً غفل البيان عن أي ذكر لنشر الدستور الفلسطيني للنقاش العام، إذ إن الدستور سيكون لبنة بناء النظام السياسي الفلسطيني المستقبلي. وعدم ذكر هاتين النقطتين يعني شيئاً واحداً، صراحة لا ضمناً، أن النقاش بين الفريقين لم يجتز عتبة المجاملة السياسية والحزبية. البيان الصادر تحدث بشكل عام عن العلاقات الوطنية وبالطبع عن دور منظمة التحرير الأساسي في قيادة النضال الوطني من جهة أنها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا وربما الإشارة الوحيدة التي تحدثت عن المستقبل كانت الحديث عن أهمية تفعيل مؤسساتها على قاعدة الشراكة الوطنية والديمقراطية من أجل تعزيز الوحدة الوطنية وتعزيز صمود شعبنا وصياغة خطاب وطني موحد. فيما كان في الأساس يجب الحديث عن الدستور الفلسطيني الذي تسلمه الرئيس من لجنة صياغته ورسم بنشره من أجل النقاش الوطني أو الحديث عن الانتخابات العامة التي ستجري قبل نهاية العام أو حتى الانتخابات البلدية التي يصار إلى تنظيمها هذه الأيام. بعبارة أخرى، تعامى البيان عن هذه القضايا بوصفها غير موجودة. 
وبالنظر إلى مجمل القضايا الأخرى التي تطرق لها البيان فهي ليست إلا من تلك الأشياء التي يمكن قولها كل يوم، من باب مثلاً وقف العدوان وخروقات الاحتلال و فتح المعابر وضرورة الإغاثة وإعمار غزة ، وأنا لا أعرف إذا كان يوجد خلاف بين الطرفين على هذه القضايا من أجل إعادة التأكيد عليها، رغم أنني على قناعة أن من يتحمل نتيجة كل شيء هي « حماس » ومن وقف معها في خطابها التهويلي للمنجزات (وهنا تقع مسؤولية «الشعبية») حيث صار الآن مطلبنا الوطني «وقف خروقات العدو» للهدنة التي نتجت عن حروب «حماس» الدونكشوتية. وما عدا ذلك فإن النقاط الأخرى في البيان المشترك هي من شائع القول في السياسة الفلسطينية اليومية ومن الواجبات التي لا نقاش حولها مثل حماية حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وتفعيل المقاومة الشعبية لمواجهة مشاريع التهجير والضم والاستيطان، والحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، واستثمار التحول المتنامي في الرأي العام العالمي لدعم القضية الفلسطينية، والتهديدات الوجودية التي تواجه شعبنا والإجراءات والسياسات العنصرية التي تستهدف فرض وقائع جديدة على الأرض. وهي نقاط مهمة لكنها بالطبع ليست باب القصيد حين قرر التنظيمان الجلوس والحوار في القاهرة.
مرة أخرى، إن خلو البيان حتى من ذكر النقاط المهمة التي تمس مستقبل بناء النظام السياسي لا يعني أنه لم تتم مناقشتها، إذ إن الأمر ليس بحاجة لاجتهاد حتى يكون المرء متأكداً أن «فتح» طرحت مثل هذه القضايا ولكن من الواضح أنه لم يجرِ التوصل لتفاهم ولو حتى بالحدود الدنيا حولها؛ لذا اتفق على تجنب ذكرها. وكنت أظن أن ذكرها كان أوجب حتى لو لم يتم الاتفاق عليها، ولكن على طريقة أن كل شيء تمام، تم تجنب الأمر كأنه غير مطروح من الأساس. 
والعلاقة مع الجبهة الشعبية تمر بالكثير من المفاصل وتواجه العديد من العقبات خاصة مع مواقف الجبهة شبه المتوافقة لدرجة التطابق مع «حماس» في الحرب الأخيرة؛ للدرجة التي كان المرء بمجرد سماع موقف «حماس» يعرف أنه بالتأكيد موقف الجبهة. وهو تحول لا يمكن تفسيره وتبريره حتى لو توافقت الجبهة مع «حماس» في فكرة «المقاومة على الطريقة الإسلاموية» فإن الخلاف بينهما لا يسمح بهذا التطابق، على الأقل في تقدير الموقف. أقول، إن موقف الجبهة أصاب الكثيرين بالدهشة إذ يمكن فهم التطابق بين «حماس» و»الجهاد» رغم أن هذا أيضاً يظل موضع تساؤل، ولكن بين مواقف الجبهة و»حماس» فهذا بحاجة للكثير من التفسير وليس التبرير. ومع ذلك وجب القول، إن الكثير من مواقف الجبهة خلال فترة انقلاب (حماس) «فرملت» توجهات «حماس» على خلق بديل لمنظمة التحرير، وأنها كانت تدعم وتساند «فتح» في جل المواقف المتعلقة بالعلاقات الداخلية في غزة، وأنا أقول هذا كشاهد عيان أدار علاقات «فتح» مع القوى الوطنية في غزة لفترة من الزمن بجانب كوني ناطقاً باسم الحركة لفترة أخرى. ومع ذلك، فإن الكثير من مواقف الجبهة باتت غير مفهومة بالنسبة لجل أبناء «فتح» خاصة في غزة. وأنا لا أريد أن أخوض في أساسيات ومواقف كبرى ولا في نقاشات فكرية ولكن مثلاً تخلت الجبهة عن الكثير من مواقفها التقدمية المفترضة في جوهر وعيها اليساري حين لم يصدر منها أي موقف يدين تصرفات «حماس» الاجتماعية أو القتل خارج القانون ومعاقبة خصومها وإطلاق النار عليهم بعد وقف إطلاق النار وسرقة «حماس» للمساعدات وفرض الضرائب وقت الحرب، وغير ذلك من قضايا كان أولى بالجبهة كتنظيم يساري أن يكون لها موقف خاص بها لا أن «تبايع» (حماس) على الطلعة وعلى النزلة بسبب الحرب، وهي الحرب التي جرت «حماس» الشعب لها دون تفكير ولو لدقيقة في المعركة القادمة بعد الطوفان، باستثناء «الاستعراض» وما خفي أسوأ وغير ذلك. بل إن النقاش الفلسطيني صار يصف مواقف الجبهة بأنها نابعة عن وجود شيء جديد اسمه «اليسار الإسلامي»، وهذا ليس من باب الدقة في شيء سوى محاولة فهم ما لا يفهم. 
عموماً ورغم كل السابق فإن مجرد الحوار شيء مهم لأن الحوار وحده يمكن أن يقرب وجهات النظر ويمكن له أن يخلق المزيد من القواعد المشتركة به. وأظن أن الطرفين بحاجة لنقاش أكثر جدية وأبعد من العلاقات الودية التي اقترحها البيان من أجل الوقوف على المستقبل الذي جعلته الحروب الدونشكوتية لـ»حماس» وبربرية العدو وحرب إبادته قاتماً، وبحاجة لرؤية أكثر عمقاً حتى من كل ما يتم تداوله وطنياً.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد