أعلنت لجنة صياغة الدستور، مؤخراً، عن إطلاق المنصة الإلكترونية الخاصة بالدستور الفلسطيني المؤقت. وأشارت اللجنة في بيان صدر يوم الثلاثاء الماضي إلى أن هذه الخطوة جاءت استناداً إلى قرار السيد الرئيس بتاريخ ٧-٢-٢٠٢٧ بنشر المسودة الأولى، و فتح باب تلقي الملاحظات العامة لمدة ستين يوماً.
وتمثل هذه الخطوة تطوراً سياسياً وقانونياً مهماً يتطلب التعامل معها بمسؤولية وطنية عالية، بما يضمن الوصول إلى دستور عصري ينسجم مع كفاح شعبنا وتضحياته، في ظل ما تتعرض له القضية الفلسطينية من مخاطر مركّبة، ومحاولات متواصلة لإعادة هندسة الوضع الفلسطيني عبر تدخلات خارجية، تمس جوهر القرار الوطني المستقل.
إن إنجاز مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين يشكّل محطة أساسية في مسار إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، ومحاولة جادة لتوفير مرجعية دستورية واضحة تنظم عمل السلطات العامة، وتعزز مبدأ سيادة القانون، وتحمي الحقوق والحريات، استناداً إلى وثيقة الاستقلال والقانون الأساسي المعدل. وتكمن أهمية هذه الخطوة أيضاً في توقيتها، إذ تأتي في مرحلة وطنية شديدة التعقيد، تتطلب إعادة ترتيب البيت الداخلي، وتوحيد النظام السياسي على أسس ديمقراطية حديثة، قادرة على الصمود والاستجابة للتحديات.
غير أن القيمة الحقيقية لمسودة الدستور تبقى مرهونة بمدى اتساع المشاركة الوطنية والشعبية في مناقشتها وصولاً لاعتمادها ، وبضمان إقرارها بأوسع توافق وطني ممكن. وفي هذا السياق، يشكّل إطلاق المنصة الإلكترونية لتلقي آراء المواطنين خطوة إيجابية ومطلوبة، غير أن المحطة النهائية لاعتماد الدستور تقتضي التوجه الجاد نحو استفتاء شعبي عام على الدستور، باعتباره الآلية الديمقراطية الأسمى لإضفاء الشرعية الشعبية المباشرة عليه. فالاستفتاء لا يمنح الدستور شرعيته القانونية فحسب، بل يحوله إلى عقد اجتماعي ملزم، نابع من إرادة الشعب، ومعبر عن تطلعاته، ويعزز الثقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم، ويحصّن الدستور من الطعن السياسي أو التشكيك في تمثيليته.
إن مسودة الدستور المؤقت تمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء العقد الاجتماعي الفلسطيني، شريطة إدارتها بروح تشاركية وديمقراطية، وبما يكرّس الفصل والتوازن بين السلطات، ويصون الحقوق والحريات العامة، ويحول دون اختزالها في إجراء شكلي يفتقر إلى العمق والشرعية الديمقراطية. فالدستور، بوصفه المرجعية العليا، ينظم العلاقة بين السلطة والمجتمع، وهو في الحالة الفلسطينية وثيقة وطنية جامعة، يُفترض أن تؤسس لمرحلة جديدة تعكس تطلعات شعبنا في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتعزز صموده في مواجهة الاحتلال وسياساته التدميرية.
ولا شك أن لجنة صياغة الدستور بذلت جهداً ملحوظاً في إعداد هذه المسودة، التي تتضمن مواد هامة وجديرة بالنقاش، وقد أصبحت اليوم بين يدي أبناء شعبنا. ودون الخوض في التفاصيل، يمكن التوقف عند بعض القضايا الجوهرية التي تستحق نقاشاً وطنياً معمقاً.
* فعلى صعيد النظام السياسي، فإن اعتماد النظام البرلماني، بدلاً من النظام الرئاسي، يبدو الخيار الأكثر ملاءمة للحالة الفلسطينية، ليس فقط من منظور نظري، بل استناداً إلى التجربة السياسية الملموسة التي عاشها شعبنا . فالنظام البرلماني يوفّر توازناً فعلياً بين السلطات، ويعزز مبدأ المساءلة السياسية للحكومة أمام ممثلي الشعب، ويحدّ من تركز الصلاحيات في يد فرد أو مؤسسة واحدة. كما أنه يشجع على الشراكة الوطنية، ويتيح تمثيلاً أوسع للقوى السياسية والاجتماعية المتعددة، الأمر الذي ينسجم مع طبيعة المجتمع الفلسطيني وتنوعه، ويقلل من مخاطر الانقسام ، كما يشكّل النظام البرلماني مدخلاً ضرورياً لإعادة الاعتبار للديمقراطية التمثيلية وللدور الرقابي للمؤسسة التشريعية بكل شفافية .
* أما على الصعيد الاقتصادي، فينبغي أن يقوم النظام الاقتصادي على التعددية الاقتصادية والتضامن الاجتماعي، بما يكفل التكامل بين القطاعات العام والخاص والتعاوني والمجتمعي. فالملكية الخاصة حق مصون، شريطة ألا تتعارض مع وظيفتها الاجتماعية والوطنية. وعلى الدولة أن تكفل حرية النشاط الاقتصادي والمنافسة المشروعة، وأن تمنع الاحتكار، وتحقق التوزيع العادل للثروة، وتعمل على فك التبعية الاقتصادية، وتحقيق السيادة على الموارد الوطنية واستدامتها.كما يتعين على الدستور، بوصفه المنظم لإيقاع المجتمع، أن يصون ويعزز دور القطاع التعاوني والاقتصاد المجتمعي، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للصمود الوطني والتنمية المستدامة، إلى جانب الالتزام بتحقيق تنمية شاملة تضمن الأمن الغذائي، وتحمي حقوق الأجيال القادمة في البيئة والثروات الطبيعية.
وتؤكد التجربة الفلسطينية أن تطبيق نموذج الاقتصاد المختلط بصيغته الراهنة أسهم في تعميق الفجوات الاجتماعية والاقتصادية بدل الحد منها، ما يستدعي دسترة أدوات العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والضمان الاجتماعي الشامل، باعتبارها حقوقاً دستورية ثابتة لا سياسات ظرفية قابلة للتراجع.
ختاماً، إن طرح هذه الملاحظات بروح إيجابية ومسؤولة، لا يقلل من قيمة مسودة الدستور المؤقت واهميتها بل من اجل الإسهام في تطويرها وتعزيزها . وهو ما يتطلب التعامل معها، ومع غيرها من الآراء والمقترحات، بانفتاح وجدية من قبل لجنة إعداد الدستور. فالدستور عقد اجتماعي جامع، لا تكتمل شرعيته إلا بأوسع إجماع وطني ممكن، وبمشاركة مجتمعية حقيقية وفاعلة في صياغته وإقراره. ١٤-٢-٢٠٢٦
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
