بينما يحتفل العالم بعيد العشّاق بالورود والشموع، تعيش غزة منذ أكثر من عامين على إيقاع إبادةٍ لم يعرف لها التاريخ شبيهاً. هنا، حيث يُحاصَر الإنسان في روحه قبل جسده، كان من المفترض أن يموت الحبّ أولاً… لكنه بقي صامداً. في غزة، لا يموت العشق، لأنه السرّ الخفيّ للصمود، والنبض الأخير الذي يعاند الفناء.

في غزة، لا يأتي عيد العشاق محمّلاً بالورود الحمراء ولا بالعطور ولا بالمواعيد الناعمة على ضوء الشموع. يأتي مثقلاً بالغبار، برائحة الوجع الرابض في مخيم النزوح، وبأسماءٍ ناقصةٍ فقدت أصحابها. يأتي كما تأتي الحياة هنا: جريحة، لكنها مُصِرّة على النبض.

العشق في غزة ليس ترفاً، بل مقاومة صامتة. هو أن تُمسك يد من تحبّ وأنت لا تملك له سوى دفء الكفّ، ولا تَعِده إلا بالبقاء ما استطعت. هو أن تقول: «أحبك» همساً، خوفاً من أن يسمعها القصف فيغار.

في خيام النزوح، يتعلّم العشّاق لغة جديدة للحب. لغة بلا مواعيد، بلا خطط بعيدة، بلا أحلام مؤجّلة لسنوات. هنا، الحبّ يعيش على الحاضر فقط: كأس ماء نتقاسمه، بطانية واحدة في ليلٍ طويل، نظرة اطمئنان تقول: ما زلنا معاً… إلى الآن.

هناك عاشق فقد حبيبته تحت الركام، وما زال يحدّثها كل مساء. يترك لها مكاناً فارغاً في الخيمة، ويقول للغياب: هذا نصيبك، لا أكثر. وهناك عاشقة تنظر إلى الخاتم في إصبعها وتبتسم بوجع، لأن من أهداه لها صار صورة محفوظة على الهاتف النقال واسماً في قائمة الشهداء.

كل عاشقٍ في غزة مشروع فَقْد، ومع ذلك يُحب، لأن الحُ عادة أصيلة في المدينة التي لا تعرف الموت. وكل حُبّ هنا يعرف مسبقاً أن نهايته قد تكون صلاة غائب، أو قبلة وداع على جبينٍ بارد. ومع ذلك… يُحب.

العشّاق المصابون من حرب الإبادة لا يشتكون من الألم، لأن الجرح صار لغة يومية. من فقد ذراعه يحتضن حبيبته بذراعه الأخرى ويقول: يكفيني هذا. ومن فقد عينه يرى محبوبه بقلبه. فالحبّ في غزة لا يحتاج جسداً كاملاً، بل روحاً عنيدة.

عيد العشاق هنا ليس يوماً واحداً، بل كل يوم ينجو فيه الحبيبان معاً. كل صباح يستيقظان فيه على قصفٍ جديد ويقرّران البقاء. كل ليلة ينامان فيها وهما يعدّان بعضهما لا الأشياء التي فقداها.

في غزة، العشق لا يلبس الأحمر، بل لون التراب تارةٍ وبلون الدماء تارة أخرى. لا يُكتب على بطاقات، بل على جدران الخيمة، وعلى القلوب المتعبة من ضنك النزوح. هو حبّ يعرف أن العالم قد خذله، لكنه لم يخذل من يُحب.

إلى كل عاشقٍ استشهد حبيبه وبقي وحيداً: أنت لست وحيداً، فالحبّ الذي عشتَه لم يمت، بل سبقك إلى السماء.

وإلى كل عاشقٍ ما زال تحت الخيمة، يمسك يد من يُحب وسط الوجع: أنتَ عيد الحبّ الحقيقي، وأنت المعنى حين تفقد الكلمات معناها.

في غزة… نحب، لأن الحبّ آخر ما لم يستطيعوا قصفه.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد