تمر القضية الوطنية الفلسطينية ،وقطاع غزة على وجه الخصوص، بمرحلة تاريخية شديدة التعقيد، أعقبت عدوانًا إسرائيليًا مدمّرًا خلّف خسائر بشرية جسيمة ودمارًا واسعًا طال البنية التحتية ومقومات الحياة الأساسية. حيث اظهرت تقارير دولية أن 90% من مواطنى قطاع غزة أجبروا على النزوح مما جعلها أعلى موجة نزوح تسجل فى الحروب الحديثة . وقد تم مسح أحياء بكاملها من الخريطة بما تضمه من مستشفيات وبنية تعليمية، ناهيك عن انهيار البنية التحتية الحيوية مثل أنظمة الصرف الصحي وخدمات الكهرباء. 

 وفي ظل هذا الواقع القاسي، تبرز الحاجة إلى إدارة وطنية رشيدة قادرة على التعامل مع التحديات الإنسانية والخدماتية والاقتصادية، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي، وبما يضع مصلحة المواطن الفلسطيني في صدارة الأولويات.

في هذا السياق، يأتي تشكيل لجنة التكنوقراط بوصفه خيارًا مؤقتًا يهدف إلى تعزيز كفاءة الإدارة العامة، وتحسين مستوى الخدمات الأساسية، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، تمهيدًا لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار. غير أن نجاح هذا المسار لا يعتمد فقط على كفاءة اللجنة وقدرتها الفنية، بل يتطلب بيئة إعلامية داعمة وواعية بطبيعة المرحلة ومتطلباتها، وهو ما يضع الإعلام الفلسطيني أمام مسؤولية وطنية مضاعفة.

لقد أفرز العدوان واقعًا اقتصاديًا وإنسانيًا بالغ الصعوبة، تجلّى في تدمير واسع للمساكن والمستشفيات والمدارس، وانهيار شبكات المياه والكهرباء، وارتفاع معدلات الفقر والجوع، في ظل حصار خانق وضعف في قدرة المؤسسات على الاستجابة. وتُظهر تجارب دول خرجت من حروب مدمّرة، مثل البوسنة ورواندا، أن تجاوز آثار الصراع لا يتحقق فقط بإعادة البناء المادي، بل بإعادة بناء الثقة المجتمعية، وتوحيد الخطاب العام، وتوجيه الإعلام ليكون شريكًا في التنمية لا أداة للصراع.

ففي البوسنة، لعب الإعلام دورًا مهمًا بعد الحرب في دعم جهود المصالحة الوطنية، وتعزيز خطاب الدولة والمؤسسات، والمساهمة في ترسيخ ثقافة السلم الأهلي، ما وفّر بيئة مواتية لإعادة الإعمار وجذب الدعم الدولي. أما في رواندا، فقد جرى توظيف الإعلام بشكل منهجي في دعم خطط التنمية، ونبذ خطاب الكراهية، وتعزيز قيم الوحدة والعمل الجماعي، الأمر الذي ساعد البلاد على التحول من ساحة صراع دموي إلى نموذج تنموي متقدم في إفريقيا خلال فترة زمنية وجيزة.

وتبرز أهمية هذه التجارب في السياق الفلسطيني، حيث يقع على عاتق الإعلام مسؤولية تبنّي خطاب مهني متوازن يشرح طبيعة لجنة التكنوقراط وأهدافها، ويعزز الثقة المجتمعية بعملها، بعيدًا عن التشكيك والتخوين والاستقطاب الحزبي. فالإعلام المسؤول لا ينحاز إلى طرف سياسي، بل ينحاز إلى المصلحة العامة، ويضع معاناة المواطن وحقه في الحياة الكريمة فوق كل اعتبار.

كما يُنتظر من الإعلام الفلسطيني أن يعيد توجيه أولوياته نحو الإعلام التنموي، من خلال تسليط الضوء على قضايا الخدمات الأساسية، وإدارة الموارد المحدودة، وتشجيع المشاركة المجتمعية في دعم جهود التعافي، بدل الاكتفاء بالخطاب السياسي التقليدي. فالتنمية في هذه المرحلة ليست خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وطنية ملحّة.

ولا يقل الدور الإنساني للإعلام أهمية، إذ يتحمل مسؤولية المساهمة في لملمة الجراح الوطنية، ومعالجة الآثار النفسية والاجتماعية العميقة التي خلفها العدوان الاسراىيلى ، عبر خطاب جامع يعزز قيم الصمود والتكافل، ويعيد الاعتبار لضحايا العدوان، دون استثمار آلامهم في صراعات داخلية.

وفي الوقت ذاته، يبقى الدور الرقابي البنّاء للإعلام ضرورة لا غنى عنها، من خلال متابعة أداء لجنة التكنوقراط والمؤسسات العامة بموضوعية ومهنية، بما يحقق التوازن بين الدعم والمساءلة، ويعزز ثقة المواطنين بالعمل العام.

إن استلهام تجارب الدول التي نجحت في النهوض بعد الحروب يؤكد أن الإعلام كان ولا يزال ركيزة أساسية في مسارات التعافي. وغزة اليوم أحوج ما تكون إلى إعلام وطني مسؤول، يواكب الجهود الإدارية والتنموية، ويدرك أن إنجاح لجنة التكنوقراط يشكّل خطوة أساسية على طريق إعادة الإعمار وبناء مستقبل أكثر استقرارًا.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد