في غزة ، لا يُقاس الشتاء بدرجات الحرارة، بل بعمق الجوع في بطون الأطفال، وبثقل الخيام التي لا تقي برداً ولا تحمي حلماً. بعد عامين من حرب إبادة لم تترك حجراً إلا وكسرت روحه، ولا طفلاً إلا وسرقت منه ملامح الطفولة، صار الجوع رفيق البيوت المهدّمة، وصار البرد ضيفاً دائماً على أجسادٍ هزيلةٍ أنهكها الحصار والفقر والبطالة.

تقول أرقام مكتب المنظمة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إن نحو 95 ألف طفل في غزة يعانون من سوء التغذية الحادّ، لكن الأرقام لا تبكي، ولا ترتجف من البرد، ولا تنظر إلى السماء منتظرة قطعة خبز. الأرقام لا تسمع أنين الأمهات حين يخفُتُ صوت الرضيع جوعاً، ولا ترى العيون الغائرة التي تبحث في الفراغ عن حياةٍ كانت يوماً ممكنة. فخلف كل رقم طفلٌ له اسم، وله حلم، وله أمّ تخشى أن تفقده بسبب الجوع لا بسبب القصف.

في خيامٍ ممزّقة، تنام الطفولة على أرضٍ باردة، بلا حليبٍ دافئ، ولا وجبةٍ تُشبع الجوع، ولا سقفٍ يحمي من المطر. الرياح تعصف بالقماش المهترئ، والمطر يتسرّب إلى الأجساد الصغيرة، فتختلط قسوة الطقس بقسوة الواقع. الحرب لم تكتفِ بتدمير البيوت، بل حاصرت الأرزاق، ورفعت البطالة إلى السماء، ودفنت الأحلام تحت الركام. صار الأب عاجزاً عن توفير لقمة، وصارت الأم تُقايض دموعها بابتسامة كاذبة كي لا يشعر أطفالها بالخوف.

الشتاء في غزة ليس فصلاً، بل امتحان قاسٍ للإنسانية. المطر هنا لا يُنبت الزهور، بل يُغرق الخيام، ويضاعف الأوجاع، ويكشف هشاشة الحياة تحت الحصار. الأطفال الذين كانوا يركضون خلف الطائرات الورقية، صاروا يركضون خلف وجبةٍ ساخنة، أو بطانيةٍ مهترئة، أو دواءٍ مفقود. لم يعد الحلم لعبة، بل صار رغيفاً.

سوء التغذية لا يعني الجوع فقط، بل يعني ضعف الأجساد، وتكسّر المناعة، وتأخر النمو، وتآكل المستقبل. طفلٌ جائع اليوم، هو وطنٌ مُنهك غداً. وحين يُحرم الصغار من الغذاء، يُحرم الوطن من قوته، ومن صوته، ومن حلمه في الغد. الجوع يسرق من الأطفال قدرتهم على الضحك، وعلى التعلم، وعلى الحلم بوطنٍ آمن.

وفي ظل الحصار الخانق، تصبح المساعدات الإنسانية شريان حياة، لكنها لا تكفي وحدها. فالمعابر المغلقة، وندرة الغذاء، وارتفاع الأسعار، تجعل من وجبة بسيطة حلماً بعيد المنال. حتى الخبز صار أمنية، والحليب صار ترفًا، والدفء صار ذكرى.

ومع ذلك، ما زالت غزة تتنفس. ما زالت الأمهات يغنين لأطفالهن تحت المطر، وما زال الآباء يقاومون بالعزم حين تعجز الأيدي. ما زال الأطفال يرسمون الشمس على جدران الخيام، كأنهم يرفضون الاعتراف بالظلام. غزة لا تطلب المستحيل، بل تطلب حق الحياة، ودفء الإنسانية، وكسرة خبز لا تُلطّخها السياسة.

في غزة، الجوع ليس قدراً، بل جريمة. والبرد ليس فصلاً، بل عقاب جماعي. ومع كل طفلٍ يرتجف في خيمته، يسقط سؤالٌ ثقيل على ضمير العالم:

كم من الطفولة يجب أن تُدفن، قبل أن تستيقظ الإنسانية؟

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد