إذا قلنا مثلاً إنّ عنوان الوضع الدولي اليوم هو: قفزات نوعية في درجة الفهم الأميركي للهيمنة والتسلّط، وما يرافقه من توحُّش، فالعنوان صحيح، لكنه فرعي ومتفرّع.

وإذا قلنا إن الغرب الأوروبي يتصدّع، وتتحوّل أوروبا العجوز إلى حالة أنها لم تعد «لا للصدّة ولا للردّة»، فهذا العنوان، أيضاً، هو عنوان صحيح، لكنه مجرّد هامش من هوامش الوضع الدولي الجديد.

وإذا قلنا إن العالم الجديد بات يعيش في مرحلة انقلاب جديد من عالم التعدّدية القطبية، فهو عنوان صحيح، ولكنه في الحقيقة ليس إلّا من قبيل التحصيل الحاصل.

وإذا قلنا، أيضاً، إن هذا العنوان هو الصعود الصيني الكبير، والصمود الروسي العظيم، فهذا ثابت منذ عدّة سنوات بقدر ما يتعلّق الأمر بالصين، وباقتصادها، وتحكّمها بسلاسل لا متناهية من التجارة الدولية، ومن خطوطها فهذا ثابت، أيضاً، بل وحتى تفوّق الصناعات الصينية في بعض جوانبها التكنولوجية الحسّاسة، بما في ذلك الصناعات العسكرية فقد بات كل ذلك ثابتاً ومُعترَفاً به على نطاق واسع، بل ومُسلَّماً به، أيضاً.

وإذا قلنا إن عنوان الوضع الدولي الجديد هو الصمود الأسطوري للاقتصاد الروسي، وإعادة هيكلته وتكيّفه في مواجهة أكثر من 12 ألف نوع من العقوبات، فهذا واضح، ولا يحتاج إلى أي أدلّة خاصة، بل وأكثر من ذلك فإن هذا الاقتصاد بدأ بالتفوّق النوعي بتطوير أنظمة دفاعية لم يعد بمقدور «الغرب» كلّه، وليس مجرّد أحد أطرافه، اللحاق بهذه الأنظمة والصناعات الصاروخية، بما في ذلك القادرة على التجوال في محيط كامل الكرة الأرضية، والمزودة بأحدث الأسلحة النووية فتكاً، فهذا كلّه تقرّ به معاهد مراقبة التسلّح «الغربية» نفسها.

وإذا قلنا إن عنوان الوضع الدولي الجديد يصلح أن يكون، دور البلدان الصاعدة في هذا الوضع، بما في ذلك تعملُق بعض الدول، مثل الهند، وهي التي باتت البلد الأكثر سكّاناً في هذا العالم، وبات نموّها الاقتصادي ــ بصرف النظر عن قصوره حتى الآن بإحداث تحوّلات اجتماعية ضرورية ــ كبيراً والنمو المتسارع في اقتصادات هذه البلدان الصاعدة، مثل البرازيل، والعربية السعودية، وجنوب إفريقيا، وغيرها، فإن مثل هذا العنوان لا يفي بالغرض، وذلك بالنظر إلى ضرورة انتظار المآلات الأبعد في تطوّر اقتصاد هذه البلدان من جهة، وبالنظر إلى تجربة «النمور الآسيوية» سابقاً، والحدود التي انتهت إليها من جهة أخرى.

ولا يمكن أن تكون البلطجة الأميركية، أو التنمُّر واستفزاز الدول والشعوب، بل والبذاءة في مخاطبة «العالم» بهذه اللغة الفوقية المتعجرفة، والعنصرية من حيث المنطلق هي عنوان الوضع الدولي الجديد، لأن كل ذلك يعتبر من صنف المظاهر، وليس الجواهر، وهي انعكاسات وليست أصولاً، وهي، وكما أثبتت التجربة في بعض جوانبها أقرب إلى التهديد والوعيد منها إلى الواقع، وإلى أيديولوجيا التفكير الحقيقي، وذلك لأن «الترامبية» مشدودة في سلوكها السياسي، وفي لغة التعبير عن سياساتها إلى ما هو «براغماتي»، وليس إلى ما هو أيديولوجي، إلّا بقدر ما تتطلّبه هذه البراغماتية من «المنسوب» الأيديولوجي، وليس العكس.

وهي ليست حالة أيديولوجية أصيلة بقدر ما هي حالة أيديولوجية هجينة، وطبعاً لا يمكن اعتبار الانهيار الذي نشهده في مؤسسات القانون الدولي، وإدارة الظهر بالكامل لمعظم مؤسّسات الأمم المتحدة، ومنظّماتها هو عنوان الوضع الدولي الجديد، وذلك لأن هذا الأمر هو، أيضاً، كان مساراً صاعداً منذ نهاية «الحرب الباردة»، بل وكان في بعض جوانبه قبل هذه النهاية، كالمواقف من حقوق الشعب الفلسطيني، على سبيل المثال، وكانت عمليات التآكل في مكانة ودور الأمم المتحدة، وكل مؤسسات القانون الدولي عمليات مستمرة ومتصاعدة، ولم تكن المواقف الحادّة والمتشدّدة من قبل «الترامبية» سوى التتويج الفعلي لهذا المسار، مهما بدت هذه الطريقة في التعامل بشأنها فجّة وسافرة، وفاقدة للشرعية والمشروعية والحساسية، واللياقة إن جاز التعبير، وذلك بالنظر إلى أن الأخيرة هنا تبدو غير ذات صلة.

وهكذا نصل إلى السؤال المنطقي: إذا كانت كل هذه العناوين لا تصلح لأن تكون عنواناً للمرحلة الجديدة، أو الوضع الدولي الجديد، إما بسبب أنها ليست جديدة تماماً، أو بسبب أنها مظاهر أكثر منها جواهر، أو بسبب كونها سياقات لتطوّرات من طبيعة مختلفة، أو بسبب عدم اكتمال دوراتها التاريخية، واقتصار بعض تأثيراتها على جوانب دون أخرى فإن هذا العنوان لا بدّ وأن يكون أكبر وأهمّ، وأعمق، وربّما أخطر من ذلك كلّه.

الموضوع، هو أن أميركا قد اكتشفت في السنة الأخيرة تحديداً من ولاية جو بايدن، أن الأزمة فيها هي أزمة بنية، وأزمة دور، وأزمة مكانة ومستقبل.

كما كان قد أشار باراك أوباما قبل نهاية ولايته بأشهر قليلة إلى أن بلاده مطالبة بـ»الهروب إلى آسيا»، ومواجهة المدّ الصيني قبل فوات الأوان، لكن بايدن خرج عن هذا المسار نحو «العداء» المباشر مع روسيا، وكانت الفترة الأولى لترامب مجرّد محاولات هنا وهناك لتحديد المسار الأميركي دون التحديد النهائي له، ولكن الحصيلة التي خرج بها منذ تولّيه ولايته الثانية أن بلاده باتت في مستنقع اقتصادي لن تنفع معه أيّ معالجات تكتيكية، أو مُناورات سياسية، أو حتى محاولات إصلاحية إذا لم تكن «جذرية» لمواجهة هذا الواقع.

وطوال عام كامل من ولايته لم يتأكّد شيء حقيقي واحد سوى عمق وتفاقم هذه الأزمة.

وخلال عام كامل، أيضاً، فقد ترامب جزءاً كبيراً من الزخم الانتخابي الذي أوصله إلى البيت الأبيض، إما بسبب عدم نجاعة كل الإجراءات التي اتخذها في السياسات الاقتصادية، أو بسبب لهاثه وراء بنيامين نتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية» في حرب الإبادة الجماعية والتجويعية على المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزّة، أو بسبب المخاوف التي أثارتها سياساته الخارجية للأصدقاء والحلفاء قبل الخصوم والأعداء.

هنا استقرّ الوضع بترامب بصياغة «إستراتيجية الأمن القومي الأميركي» بالشكل الذي تمّت به، وهي إستراتيجية تعتبر بكل المقاييس الاعتراف الأميركي الأوّل منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة بأن بلاده قد دخلت للمرّة الأولى في تاريخها الحديث بنوع خاص، وفريد من الانكفاء التاريخي للدور والمكانة الدولية.

الديماغوجيا التي تمارسها «الترامبية» حول عظمة وقوّة الاقتصاد الأميركي، وحول عودة هذا الاقتصاد إلى الهيمنة الكلية ليست سوى محاولة يائسة للتغطية على عمق أزمة الدور والمكانة الأميركية.

لم تكن أميركا لتتخذ مثل هذه الإستراتيجية لولا أن طبيعة الأزمة هي بنيوية خانقة، وباختصار فإن هذه الإستراتيجية هي إدارة الانهيار.

المسألة أكبر بكثير من الضغوط التي لا يزال ترامب يُنكرها على الدولار الأميركي، ليس بسبب التضخُّم، وعدم كفاية الأدوات المالية ونجاعتها ــ سعر الفائدة بصورة خاصة ــ فحسب، بل بسبب إجراءات قامت بها عدّة دول من داخل «البريكس» بتحويل تجارتها البينية إلى تجارة مدعومة بالعملات الوطنية، بما في ذلك الهند والصين وروسيا وجنوب إفريقيا، وأخيراً البرازيل.

والمسألة أكبر بكثير من إفلاس شركات عملاقة أميركية تعمل في الخارج لأنه ليس أمامها من أجل عدم الإفلاس سوى أن لا تعود إلى أميركا.

بل وحتى محاولات جذب الشركات الأوروبية إلى السوق الأميركية لم تعد بهذه ال حماس ة بالدخول الكبير في الاقتصاد الأميركي، وذلك لانعدام عنصر الثقة واليقينية المفترضة لانتقالات هائلة كهذه لحركة رؤوس الأموال.

والأزمة أكبر بكثير من أزمة المديونية التي تقترب من الأرقام الفلكية، والاقتراب من الـ40 تريليون دولار.

ولا تقف المسألة عند الأرقام، لأن سداد فوائد المديونية، ومواعيد استحقاق هذا السداد ستضع أميركا قبل الانتخابات النصفية القادمة أمام كارثة محقّقة على مستويين اثنين:

الأوّل، كارثة عدم السداد، وبالتالي الانهيار الفوري.

والثاني، التأجيل وإعادة الجدولة، وبالتالي الدخول المباشر في الكساد المؤكّد، كأحد الاحتمالات المرجّحة سيكون قد «اكتسب» خصائص غير مسبوقة من الكساد لأنه يترافق مع فقاعات متعدّدة يتمّ تبادل الأدوار في درجة تأثيراتها بحيث تنقل الكساد من الحالة التقليدية له في الحالات الدورية للأزمات الاقتصادية الموصوفة بالنظام الرأسمالي إلى حالة لم تحصل إلّا في مرحلة الكساد العظيم الذي ضرب الاقتصاد العالمي في العام 1929، مع فارق أن الانهيارات في الكساد الجديد ستكون أعمق وأخطر، وستطال المنظومة الرأسمالية من رأسها حتى أخمص قدميها، ولن تقتصر على بلدان رأسمالية دون أخرى مهما تفاوتت درجة التأثير بين بلدٍ وآخر.

وفقاعة الطاقة ستلعب دوراً محورياً خاصاً في هذه الأزمة، ولهذا فقد بدأ ترامب محاولات فكفكة الأزمة من حلقة الطاقة، وسيخوض حروبه المحسوبة على أساس هذه الحلقة بالذات، ومن هنا يجب أن نفهم الحرب في الشرق الأوسط إذا ما كان مضطراً لخوضها، وسنرى ذلك في المقال القادم.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد