بينما يتواصل المشهد الاحتفالي الاستعراضي، وتتفاقم لغة القوّة والتهديد من قبل الإدارة الأميركية لدول أخرى في أميركا اللاتينية، تسود العالم موجة عارمة من الاضطرابات والتوقّعات المحكومة بسقف واحد وهو انهيار منظومة القانون الدولي، بعد أن أتاحت الولايات المتحدة الأميركية لنفسها أخذ القانون باليد.

مرور المزيد من الوقت على القرصنة العسكرية الأميركية، المتمثلة في اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، يتكشّف الكثير من المعلومات والمعطيات التي تفتقد لليقين إزاء مستقبل فنزويلا، وما ينتظر دولاً أخرى في مقدّمتها كولومبيا، التي تحضّر لها الإدارة الأميركية لوائح اتهام لتبرير إجراء مشابه من خلال عمل عسكري مباشر أو انقلاب داخلي.

ثمّة قائمة من الدول اللاتينية على جدول أهداف الإدارة الأميركية التي لم تحقّق إجماعاً داخلياً على ما قامت به. إذا كان عام 2026 حاسماً إزاء ما يستطيع رئيس أميركا دونالد ترامب القيام به من مغامرات، فإن الأوضاع في بلده تتجه نحو تغيير منتظر ارتباطاً بالانتخابات النصفية للكونغرس، والتي قد تحمل قيوداً صعبة على قدرة ترامب على اتخاذ قرارات ذات طبيعة إستراتيجية.

هذا العام إذاً ينطوي على مؤشّرات ومتغيّرات خطيرة، ليس فقط ارتباطاً بما ستحمله الانتخابات النصفية في أميركا، وإنّما، أيضاً، فيما يمكن أن تؤدّي اليه سابقة فنزويلا من تطوّرات خطيرة في أوكرانيا، والصين، والشرق الأوسط، وحتى على الساحة الأوروبية على خلفية الموقف الأميركي من قضية جزيرة غرينلاند.

بالتزامن مع استعراض القوّة في أميركا، يقوم رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية» باستعراض قوّة في الشرق الأوسط، حيث ترتفع نبرة التهديدات لإيران، محاولة استغلال الأوضاع الداخلية المضطربة.

التهديدات الإسرائيلية بشنّ ضربة قاصمة على إيران التي استعادت قدراتها الصاروخية، ولم تتخلّ عن حقها في تخصيب اليورانيوم تتماشى مع تهديدات ترامب، الذي رهن تنفيذ تهديداته بالحصول على معطيات تؤكّد الادعاءات الإسرائيلية.

وإلى حين توقيت الهجوم على إيران، الأمر الذي يرجّحه معظم المحلّلين والمتابعين، تتسلّى الدولة العبرية، بمواصلة انتهاكاتها واعتداءاتها على لبنان في انتظار الذرائع.

لبنان الرسمي محشور في زاوية ضيّقة، فلقد أعلن أن الجيش اللبناني أنجز ما هو مطلوب منه في نهاية العام المنصرم، من دون أن يحصل على أي مقابل من «لجنة الإشراف» «الميكانيزم»، أو من طرف دولة الاحتلال. التوقّف عند هذه النقطة ليس مُقنعاً للأخيرة، التي تضغط في اتجاه أن يواصل الجيش اللبناني نزع سلاح «حزب الله»، بعد خطّ الليطاني، الأمر الذي قد يؤدّي إلى انفجار الوضع الداخلي، وبالتالي انهيار الدولة اللبنانية.

الحزب لا يزال يعضّ على الجرح، بأمل أن تقتنع الدولة اللبنانية بالعودة عن سياسة التنازلات، التي تقدمها من دون نتائج، ونحو تحقيق إجماع أو شبه إجماع لبناني على الوقوف خلف المقاومة دفاعاً عن الأرض والسيادة.

لقد استطالت عملية الصبر، ولبنان ومقاومته، يقدمون كل يوم المزيد من الخسائر والضحايا، ولا يبدو أن ثمّة خيارات أمام لبنان سوى وقف النزيف، والعودة للمواجهة.

الضفة الغربية هي الأخرى، ساحة حرب من طرف واحد حيث يتواصل مسلسل الاستيطان، وتسليح المستوطنين، وسرقة الأراضي، وهدم البيوت، وتخريب الممتلكات، وحصار واقتحام المدن، والمخيّمات، وتكريس عملية فرض السيادة على أرض الواقع.

ما يجري في الضفة، رغم تواصل التحذيرات، من قبل الأمم المتحدة، وكثير من دول العالم، لا يشكّل رادعاً لقوات الاحتلال، التي من المرجّح أنها تستند إلى دعم أميركي وتواطؤ من قبل الإدارة الأميركية.

المفروض أن الفلسطينيين أكثر خبرة من الدولة اللبنانية إزاء التكتيكات التي تقوم بها دولة الاحتلال، والدّاعين الأوروبيين وغير الأوروبيين لضرورة إصلاح السلطة الوطنية الفلسطينية والنظام السياسي الفلسطيني.

التجربة تؤكّد أن كل حديث عن إصلاح السلطة الوطنية، ورهن أي تقدم في المسار السياسي انطلاقاً من مسألة تحقيقه، هي مجرّد مخارج لسياسات متواطئة أو عاجزة أمام التحالف الصهيوأميركي. بعد مرور وقت ليس قليلاً على موضوع إصلاح السلطة الوطنية، لم تحصل السلطة على أيّ إنجاز أو مقابل.

غزّة على الرفّ الآن، وهي على ما يبدو لم تعد على سلّم أولويات ترامب، الذي اكتفى بما تمّ إنجازه حتى الآن حيث توقّفت حرب الإبادة، وتم الإفراج عن الأسرى والجثامين، بينما يعاني سكان القطاع أنواعاً وأشكالاً أخرى لا تقلّ قسوة عن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية بذرائع واهية.

لم يتشكّل «مجلس السلام» ولا حديث عنه منذ أسابيع، ولم تتشكّل «قوّة الاستقرار» وثمّة تعقيدات كثيرة أمام هذا الأمر. دولة الاحتلال لا تزال تتحكّم في المشهد بالكامل، فعدد الشاحنات التي تدخل القطاع تشكّل 40% مما تم الاتفاق عليه، ولم تسمح بإدخال الآليات و»الكرفانات» والمواد المنقذة للحياة.

المعبر مغلق، وقد تأجّل موعد فتحه مراراً. وفي آخر موعد، قيل أن نتنياهو وافق على فتحه في الاتجاهين، ولكن كيانه سيتخذ إجراءات على الأرض تجعل من فتحه فرصة لتهجير الفلسطينيين.

وفي حين يعاني الناس حصار الطبيعة والمُناخ تمنع دولة الاحتلال أكثر من 50 جمعية غير حكومية، تقدّم الخدمات في القطاع، في محاولة لشلّ كل طرف أو مؤسّسة لا تعمل وفق الشروط الإسرائيلية بهدف تعميق أزمة الناس، وإرغامهم على الهروب والهجرة إلى أيّ مكانٍ آخر.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد