في غزة ، لا يأتي السرطان وحده، يصل محمّلاً بحصار، ومطعَّماً بالخوف، ومسنوناً بقسوة حرب لا تميّز بين خلية مريضة وطفلٍ نائم. هنا، لا يكون المرض حكماً صحياً فحسب، بل يتحوّل إلى حكم إعدام بطيء، يُنفَّذ على مرأى من عالمٍ أصمّ.
مرضى السرطان في غزة لا يواجهون وجع الورم الخبيث فقط، بل يواجهون فراغ المستشفيات، وصمت الأجهزة، وغياب الدواء المُسكن، وانقطاع الأمل. كانوا يتكئون على مستشفى واحدة أُنشئت في قلب القطاع، كأنها آخر قنديل في نفق طويل. لكنها لم تنجُ؛ قُصفت، ودُمّرت، وسُحِق معها ما تبقى من احتمالات الحياة. لم تُقصف جدرانها فقط، بل قُصفت معها فرص النجاة، وتحوّل العلاج إلى ذكرى.
هنا، يصبح السؤال ليس: كيف يُعالج السرطان في غزة وسط إبادة طاحنة؟
بل: كيف يُعاش الألم الذي لا يُطاق وسط وجع معيشي لا يُوصف؟
الأجهزة شحيحة، والمواد الإشعاعية والكيماوية تُمنَع من الدخول، وكأن العلاج نفسه صار خطراً يجب حصاره. أدوية تُحتجز على المعابر، وأجسادٌ تذبل في الداخل. مرضى ينتظرون جرعة كيماوي لا تأتي، أو جلسة إشعاع لا تتوفر، أو تحويلة خروج للعلاج خارج غزة يُرفض، أو يتأخر من الجانب الإسرائيلي حتى يسبقهم الموت.
في غزة، ينام مريض السرطان على وجعه، ويصحو على وجعٍ أكبر.
الألم لا يهدأ، والمسكنات نادرة، والمعيشة تضيق، والدموع تجف قبل أن تجد من يمسحها. الجسد مُنهك، والروح محاصرة، والورم السرطاني يتغذى على أخبار القصف والمجازر والجوع. كيف لجسدٍ يقاوم السرطان أن يصمد في مدينة تُباد؟
الأمهات المريضات يخفين أوجاعهن عن أطفالهن الجائعين، والآباء المصابون يبتسمون كذباً كي لا ينكسر البيت. بعضهم يختار الصمت، وبعضهم يختار الدعاء، وبعضهم يسلّم جسده للموت بهدوء، لأنه تعب من الانتظار.
ليس السرطان في غزة مرضاً، بل طبقة إضافية من العذاب.
وجعٌ فوق وجع، وموتٌ يتربص في جسدٍ أنهكته الإبادة، وسرقت منه الحرب حقه في العلاج، وحقه في الألم الكريم.
ومع ذلك، ما زال مرضى السرطان في غزة يقاومون. لا لأنهم يملكون الدواء، بل لأنهم يملكون إرادة الحياة، يقاومون بصلواتٍ خافتة، وبنظراتٍ معلّقة على سماء لا تكفّ عن القصف، وبأملٍ هشّ، لكنه عنيد.
غزة لا تطلب معجزة، تطلب فقط أن يُسمَح لمرضاها أن يعيشوا…
ألا يكون السرطان والحصار حربين في جسدٍ واحد.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
