تحت الأنقاض: لحظات الخوف والنجاة
بإرادة الله… كهيعص أنقذتني من الموت.
أنا لست كاتبًا محترفًا، ولا صحفيًا يتقن فن الحكاية، لكنّي الناجي من الحكاية نفسها. هذه ليست قصة من وحي الخيال، بل فصل من حياتي، سطرته تحت الركام، وكتبه الله لي بمداد الرحمة والنجاة. درست الصحافة والإعلام، ومارست هذه المهنة لفترة، لكن صعوبة الحياة في غزة دفعتني إلى تركها. واليوم أكتب هذا التقرير ليس بمهارتي الأكاديمية، بل بقوة قلبي وإيماني بالله، لأروي ما جال بخاطري من تجربة النجاة الحقيقية، ولأكشف جانبًا من المأساة السياسية التي يعيشها شعب بأكمله تحت الاحتلال، شعب تُرك وحيدًا في مواجهة آلة حرب لا ترحم.


أنا من غزة، المدينة التي لم تعرف يومًا طعم الهدوء، والتي لم تفارقها أصوات القصف والانفجارات. مدينة تُعاقَب لأنها موجودة، وتُقصف لأنها لا تستسلم. بعد فترة من النزوح، عدت إلى بيتي بعد أن تركته لأكثر من عام، مشتاقًا لجدرانه الصغيرة، لتلك الجدران التي حفظت ضحكاتنا وذكرياتنا رغم كل ما مرت به من خوف ودمار. في تلك الليلة أردت النوم في مكاني المعتاد، لكن ازدحام البيت بالنازحين والضيوف غيّر ترتيب الغرف، فاضطررت للنوم في مكان آخر لم أكن أعلم أنه سيكون سببًا في نجاتي لاحقًا. تلك التفاصيل الصغيرة في غزة، حتى مكان نومك، قد تحدد مصيرك في حرب تُدار من غرف سياسية بعيدة، يتقاسم فيها العالم صمته بالتساوي.

WhatsApp Image 2026-01-07 at 8.31.20 AM.jpeg
 


وعند الفجر تقريبًا، فتحت عيني للحظة فرأيت إخوتي نائمين بسلام. أغمضت عيني مجددًا حتى استيقظت على ظلام دامس، لا ضوء فيه ولا صوت سوى أنفاسي المتقطعة، ووجدت على ظهري ثقل هائل من الركام والحجارة. أدركت الحقيقة المرّة: لقد قُصف منزلي، وأنا الآن مدفون تحت الأنقاض. شعرت بالخوف، وعرفت أن الحرب لم تترك لنا شيئًا سوى الركام والدمار.


ذلك القصف لم يكن مجرد حادث عابر، بل نتيجة سياسة ممنهجة تُمارس ضد المدنيين في غزة، سياسة ترى في البيوت أهدافًا عسكرية، وفي الأطفال "أضرارًا جانبية"، وفي الصمت الدولي غطاءً لكل هذا الإجرام. كنت أسمع صرخات الجيران، وأتخيل وجوه الأطفال، وأدركت أن كل بيت هنا مرتبط بآخر، وأن سقوط بيت واحد يعني مأساة جماعية.


الإيمان يرفعنا من تحت الركام


ومن تحت الركام بدأت رحلتي الروحانية مع الله. كنت على وشك أن أتنفس آخر أنفاسي، فبدأت أتمتم الشهادة، شعرت براحة غريبة تغمر قلبي، وسعادة لم أعرفها من قبل. كنت أعلم أن الفاصل بيني وبين الموت ثانية واحدة، ومع كل كلمة نطقتها شعرت أن الله منحني هدوءًا لا يوصف. شعرت وكأن الوقت يمر، وغبت عن الوعي لثوانٍ، ثم استيقظت على دفء غريب يسري في جسدي، شعرت أن دمي بدأ يتدفق وأن الحياة تعود إليّ شيئًا فشيئًا. سمعت في داخلي صوتًا قويًا يقول لي:
"قُمْ بإذني، لم يحن موعدك بعد."


حاولت أن أنهض، لكن الركام كان أثقل من أن يُزاح، وبدأ اليأس يملأ قلبي، فقد كنت عالقًا تحت الأنقاض، وظهري مليء بالحجارة والحديد وبقايا الصاروخ، عاجزًا عن تحريكها أو دفعها عن جسدي. في تلك اللحظة تذكّرت مقطعًا كنت قد شاهدته سابقًا على منصة تيك توك، يتحدّث عن قوة بداية سورة مريم، «كهيعص»، وأن من يذكرها بإخلاص ويتوجّه بها إلى الله ي فتح الله له أبواب النجاة. تمتمت بها في قلبي قائلًا: «يا رب، أنقذني، ساعدني على القيام».


وفجأة صابتني قوة داخلية عظيمة تسري في جسدي، جعلتني أنهض رغم أن فوقي كل هذا الركام الثقيل الذي يحتاج إلى قوة جسدية وبدنية هائلة يعجز العقل البشري عن تصورها، ولم أكن قادرًا حتى على تحريك حجر واحد من ظهري. لكن إرادة الله وقوته التي منحني إياها، جعلتني أنهض، وأنا محاط بأكوام الركام الثقيل، شاكرًا له على هذه النجاة. شعرت أن الله كتب لي عمرًا جديدًا، وأن حياتي لم تنته بعد.


نهضت وسط كثافة الغبار والدخان، لم أكن أعرف أين أنا، هل أنا في البيت أم خارجه؟ دقائق طويلة من التيه والخوف، إلى أن بدأ الغبار يتلاشى شيئًا فشيئًا، ودخل ضوء الله إلى المكان، فاستعدت وعيي تدريجيًا. أدركت أن القصف لم يكن على منزلي مباشرة، بل على بيت جاري الملاصق، فالبيوت في المخيمات متلاصقة كالجسد الواحد، لا يفصل بينها سوى أقل من متر واحد.


بدأت أنادي أحبائي واحدًا تلو الآخر، وصوتي مبحوح، ويدي تحفر بين الحجارة بحثًا عن أي صوت ينبض بالحياة. فجأة لمحت وجه أخي محمود مغطّى بالغبار والدماء، وكان يتنفس بصعوبة، تسابق الجيران والمسعفون لإسعافه، بينما اندفعت للبحث عن باقي عائلتي: أمي، زوجتي، وأطفالي.


ذهبت مسرعًا إلى غرفة أمي، وكانت في حالة صدمة وخوف شديد، تبكي بحرقة. قلت لها: "أنتِ بخير يا أمي؟" قالت: "أنا كويسة، كيف إخوتك ياما؟" طمأنتها وقلت لها: "كلنا بخير، لا تخافي، الله أنقانا." كنت لا أعرف من أصيب أو من مات بعد، لكن كان همي الوحيد أن أطمئن على أمي، قبل أن أهرع للطابق العلوي لأجد زوجتي وأطفالي. وجدتهم جميعًا مصابين إصابات طفيفة، رغم أن كل زاوية من الغرفة كانت مغطاة بالركام والزجاج وبقايا الصاروخ، والحمد لله أن الله كتب لنا السلامة.
لحظة العلاج والطمأنينة


بعد ذلك جاء دوري، اقترب مني المسعف وبدأ يمسح الدماء عن وجهي ويدي، وقال: "لديك جرح قرب عينك." غطى عيني بالشاش وأخذني إلى سيارة الإسعاف. قبل أن أركب، قابلت أمي التي كانت تبكي بحرقة، وقالت لي: "ما بك يا بني؟" انفجرت بالبكاء وقلت لها: "والله أنا بخير، انظري عيني سليمة، فقط جرح يحتاج إلى غرز." انتقلت إلى المستشفى مع المسعفين وبعض الجيران المصابين، وكانت تجربة مليئة بالألم والمعاناة، لكنها كانت أيضًا درسًا في الصبر والثبات.


الحقيقة السياسية: غزة بين الحرب والصمت الدولي


هذه التجربة لم تكن حادثًا فرديًا، بل نتيجة مباشرة لسياسة واضحة تُمارَس ضد المدنيين في غزة، سياسة تُحوّل البيوت إلى أهداف، والعائلات إلى ضحايا، والنجاة إلى استثناء. ما عشته تحت الركام يؤكد أن ما يجري هنا ليس كارثة طبيعية، بل جريمة سياسية مستمرة، تُرتكب تحت سمع العالم وبصره، وتُغطّى ببيانات باردة لا تُنقذ إنسانًا.


نجاتي ونجاة عائلتي ليست دليلًا على رحمة الحرب، بل على رحمة الله وحده، وعلى صمود شعب يُراد له أن يختفي، فينهض في كل مرة من تحت الركام شاهدًا على الحقيقة. في غزة، لا نطلب المستحيل، نطلب فقط حقنا في الحياة، وأن نُعامَل كبشر، لا كأرقام في تقارير، ولا كـ"أضرار جانبية" في لعبة سياسية قذرة.
كل لحظة تحت الركام، وكل ثانية من الخوف، وكل دمعة ذُرفت، كانت درسًا في الصبر والقوة، وذكرى على أن الله وحده هو الحافظ، وهو الذي يجعل من الموت حياة، ومن الضعف قوة، ومن اليأس رجاءً.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد