كل من اختصموا مع «فتح» في الساحة الفلسطينية لم يختلفوا معها على البرامج ولا على صيرورة الكفاح الوطني، بل نازعوها لرغبتهم في انتزاع التمثيل الفلسطيني منها، فيما هي لم تنازع أحداً على التمثيل ولا نظرت إليه بوصفه ميزةً أو استحقاقاً بل واجباً ومهمة وطنية لحماية النضال التحرري للشعب الفلسطيني. لذلك شن عليها الجميع حروباً بلاغية وحروباً دموية من أجل إقصائها، فهي بالنسبة لليسار تشكل اليمين «الرجعي»، وهي بالنسبة لليمين والمتدينين تشكل التنظيم العلماني. اختلف الجميع معها وقاتلها الجميع فيما ظلت بوصلتها في ذات الاتجاه الذي أعلنه بيان العاصفة وقبل ذلك كتابات آبائها ومؤسسيها في مجلة فلسطيننا، ذات الأفكار التي كان يتداولها ياسر عرفات وصلاح خلف وخليل الوزير على مقهى الكمال في غزة ، أو تلك التي كانت تعصف بلقاءات التكوين في خمسينيات القرن العشرين بينهم وبين أبو يوسف النجار وكمال عدوان و محمود عباس وممدوح صيدم. «فتح» لا تغيّر جلدها ولا تتغير ولا تتنكر لأي تحوّل تضطر إليه من أجل الوصول لنفس الهدف. وعليه كان صراع الآخرين معها حاداً وربما شغلت «فتح» بذلك الكثير من وقتها، لمقاومة رغبة البعض في سرقة التمثيل الفلسطيني لوضعه في جيب الآخرين. وهنا كان مربط الفرس، لم تكن «فتح» تقاتل من أجل التمثيل بل من أجل ألا يتم وضعه في سلة الغير وارتهان المشروع الوطني والقرار الوطني لغير الفلسطينيين. والقرار الوطني أحد المفاتيح المهمة في نضال «فتح» في توجيه الكفاح التحرري. لا وصاية لأحد على فلسطين، ولا أحد يجب أن يقرر نيابة عنا. ثمة واجب قومي وديني على الآخرين لا يعفيهم منه أحد، ولكن لا يحق لأحد أن يزعم أنه صاحب الحق في تقرير كلمة الفلسطينيين.
وبالعودة لرغبة الآخرين ومنازعتهم «فتح» على التمثيل، فإن المثال الأكثر وضوحاً ربما هو «نهم» الإسلامويين ومن يسيّسون الدين مثل حركة « حماس » وصراعهم المحموم من أجل إزاحة الوطنية الفلسطينية عن كرسي التمثيل الفلسطيني وتنصيب الإسلامويين، مع التقدير بالطبع لرجالات الدين وليس لمن يستخدمونه أداة من أجل تبديد الجهد الوطني. «حماس» أمضت جل وقتها في معارك وهمية دونكيشوتية مع الوطنية الفلسطينية لم ينتج عنها إلا تشتيت الجهد الوطني. ومن المحزن مثلاً كيف يصطف بعض تنظيمات اليسار الفلسطيني في جبهة واحدة مع «حماس» في مثل هذا الصراع مثلما حدث إبان وبعد الانقلاب المشؤوم. من المؤلم أن ينخدع البعض بكذبة أن خلاف «حماس» مع السلطة ومع ياسر عرفات ومن بعده محمود عباس كان على البرامج ومعارضة لأوسلو ولا يرون الحقيقة. الحقيقة التي عاشتها مثلاً تنظيمات اليسار، خاصة الجبهة الشعبية والحزب الشيوعي في ثمانينيات القرن الماضي، حيث حاول المجمع الإسلامي افتراسهما وتطاول بالضرب على رموز العمل الوطني من قادة اليسار في غزة، والهجوم على الهلال الأحمر، والاعتداء على الراحل رباح مهنا عضو المكتب السياسي للجبهة. وتواصل الأمر بعد تشكيل «حماس»، بعد قرابة أشهر على انطلاق الانتفاضة الأولى، (بعيداً عن إصرار «حماس» الزائف بجعل انطلاقتها مباشرة بعد أول أسبوع على الانتفاضة، فالنضال لا يصاغ بالبيانات وتقارير الفضائيات). بعد ذلك ومع تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية التي اعتبرتها «فتح» نواة الدولة، والتي على كل ما يمكن أن يقال ضدها من معارضي أوسلو، تظل واحدة من أهم منجزات الشعب الفلسطيني في المائة عام الماضية، وهذا نقاش آخر يتعلق بفهم «فتح» لضرورة وجود كيانية فلسطينية بصرف النظر عن الشكل، وهو موضوع ناقشناه على هذه الصفحة منذ وقت بعيد. كان هم «حماس» الأساسي إفشال أوسلو ليس لأنها ضد أوسلو، بل لأن «فتح» يجب أن تفشل في برنامجها، وبالتالي تخسر تمثيلها للفلسطينيين وتقدّم «حماس» نفسها بديلاً، لذلك أفشلت «حماس» محاولات ياسر عرفات لضمها لمنظمة التحرير منذ لقاءات السودان عام 1996، وصولاً لجهود الرئيس أبو مازن والحوارات الماراثونية التي أجراها معهم رغم معارضة قواعد «فتح» على ما اعتبرته تنازلاً لـ»حماس»، وبعد أن تم الاتفاق في بيت الله الحرام باتفاق حمل اسم أطهر مكان على وجه الأرض «مكة»، حملت «حماس» السلاح وأعملت قتلاً بأبناء الأجهزة الأمنية وكوادر «فتح». وطوال سبعة عشر عاماً واصلت «حماس» عبر سجونها تعذيب قيادة «فتح»، وحوّلت غزة إلى سجن وزنزانة تعذيب. تذكروا أحد قادة «حماس» حين سئل عن تفجير قامت به «حماس» في شارع الديزنغوف في تل أبيب، قال: إنه موجه ضد ياسر عرفات.
ومن المؤكد أن تصريحات خالد مشعل الأخيرة، التي طالب فيها أن «يجربوا حماس» في عبارات وصفت بـ»الاستجداء»، قد كشفت عن الغاية الخفية خلف السابع من أكتوبر، والمتمثلة برغبة «حماس» بتقديم نفسها بأنها القادرة على تمثيل الفلسطينيين، فـ»حماس» إذا لم يتم احتواؤها يمكن لها أن «تزعج» إسرائيل وتشكل تهديداً لها، لذلك من الأفضل أن يتم التعامل معها بدلاً من التعامل مع القيادة الفلسطينية. وقراءة وثيقة «حماس» الأخيرة، التي صدرت بذات التوقيت الذي قال فيه مشعل تصريحه، هي عملياً «طيٌّ» لصفحة السابع من أكتوبر بالنسبة لـ»حماس»، ومحاولة استثمار ما حدث ليس بإطلاق سراح الأسرى ولا بإخراج الجيش الإسرائيلي من غزة بعد أن جلبته «حماس» لداخلها، بل من أجل تقديم طلب التمثيل وإثبات أنها القادرة عليه بجدارة حتى لو كان هذا على حساب غزة وعلى حساب القضية، وحتى لو قاد إلى تدمير غزة وتشتيت أهلها. فمعارك «حماس» لا نتيجة لها إلا مصلحة «حماس»، وغايات «حماس» هي ذاتها التي تختمر في رحم تنظيم الإخوان المسلمين أو الجماعة منذ قرابة قرن من الزمن، واستهدفت الدولة في مصر وتونس والجزائر والأردن، وظل سيفها مشهوراً لقصم ظهر القضية الوطنية الفلسطينية.
في سجن النقب الصحراوي «أنصار 3»، كان هناك كتيّب صغير اسمه «نحن والإخوان»، قرأته في شتاء العام 1992 في الخيمة هناك، ومع الوقت كنت أتأكد من صحة كل ما ورد فيه، رغم أن أوسلو لم تكن قد حدثت، والانقلاب لم يقع، ولا السابع من أكتوبر.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
