من أجمل الكلمات التي قيلت في رحيل محمود درويش، صاغها صديقنا المشترك خيري منصور.

"ما من وداع يليق به، لأن الحصان الذي سقط عن القصيدة لم يمت، وهذه اصداء صهيله تملأ المدى"
***
حيرتني ذاكرتي، ظننت أنها عديمة الوفاء، لقد سقط منها يوم مولده، ويوم موته، لا أتذكر هذين اليومين إلا إذا نبهني إليهما شخص ما، غير أنني وبعد هذه المكاشفة مع الذاكرة عرفت السبب، إنه استمراره المُلح والطازج في حياتنا..

قبل رحيله.. وربما منذ الأيام الأولى التي التقيته فيها، كانت قوة حضوره توقظ هواجس الخوف عليه، كنا نعرف .. أنه وهو يملأ الدنيا .. إنما يعيش على حافة الموت .. تفصله عنه شعرة لا تُرى، كان الأطباء الذين تخصصوا في حالته، يجاهدون من أجل توفير نبض يكفي للقصائد التي لم تؤلف بعد.

وما أن يصحو من جراحة طويلة... يقول لطبيبه المنهمك بقياس النبض ... متى إذا موعد الثانية.

يبتسم الطبيب .. لم يكن وهو العارف بحالة محمود الصحية، ليجرؤ على المجاملة.. لم يقل ولا مرة واحدة إنها الأخيرة..

إذاً.... ما بين الإفلات من موت.. وانتظاره في المرة المقبلة، كان محمود يروّض روحه على التعايش مع احتمال الحياة ، كما لو أنه يقول لنفسه "هي أيام بقيت، من أجل ما لم أكتب بعد" ولعل ذلك هو التفسير الذي لم يأت على ذكره النقاد، لظاهرة أن القصيدة التالية هي الأجمل والأقوى.

كان مضطرا لأن يتعذب دون أن يشكو، فما الجدوى، ثم لم لا يخبئ ألمه وراء الكلمات والمعاني التي صاغ بها صورته، فالمرض ينهزم إذا ما عرف صاحبه كيف لا يشكو منه.

لم يكن ليبوح لنا بعذابه، إلا أننا كنا نستنتجه حين يلوذ بالصمت، أو يستعين بالطرفة للبوح...

"إن كوليسترولي لئيم وعنيد، وحين يغضب يتحول إلى شظايا.. تدك جدران شراييني وعضلة قلبي"

إذاً فإن الرجل الذي يملأ حياتنا بقصائده، يراقب تسرب حياته كما يتسرب الرمل الناعم من ثقب الساعة الزجاجية... فمتى تهبط آخر حبة رمل؟ أي متى يكتب الشاعر آخر قصيدة، ومتى يضع النقطة على آخر السطر.
***

كيف أحسست بموته؟
حين لم أعد العب معه النرد.... وما عدا ذلك لم أحس به.. فإن كنا اثنين فهو ثالثنا، لقد أودع أيامنا المتبقية ما يكفي من زاد الذكريات العميقة والمثقفة، في هذا الأمر قال محمود وفي مثل هذه الواقعة كان يقول.

ما زلنا نضحك على طرائفه كما لو أنه يقولها لأول مرة، وما نزال نستمتع بسحر قصيدته دون أن نتذكر أننا سمعناها من قبل... هو إذا من ما يزال في حياتنا كأنه لم يمت.
***
ما أحببت من شعره...
في وصف حب فلسطين..
عيونك شوكة في القلب توجعني وأعبدها.
وفي وصف الحالة الفلسطينية...
هذا هو العرس الذي لا ينتهي
في ليلة لا تنتهي.. في ساحة لا تنتهي
لا يصل الحبيب إلى الحبيب.. إلا شهيدا أو شريد.
وفي الرثاء....
صباح الخير يا ماجد
صباح الخير
قم اقرأ سورة العائد
وحث السير
إلى وطن فقدناه
بحادث سير.

وفي الفلسفة ...
لا الرحلة بدأت ولا الطريق انتهى
يموت محمود درويش ويُنسى حين يُنسى امرئ القيس وأبو الطيب المتنبي وأحمد شوقي.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد