لو كان ثمة عُقلاء في إسرائيل يُدركون مصلحتها، لكانوا استدركوا الأمر منذ سنوات، ودخلوا في مفاوضات جدّية، تمنح الفلسطينيين الجزء الصغير من حقوقهم الوطنية.
غير أنّ كلّ من أداروا السياسة منذ قيام دولة الاحتلال العام 1948، أظهروا التزاماً عميقاً بالمشروع الصهيوني الأوّل، والوظيفة الأولى، التي تقودها أطماع واسعة تشير إلى جهل بحقائق التاريخ، وقراءة استشرافية تقوم على ثوابت في زمنٍ متغيّر.
خمسة وسبعون عاماً من الصراع، في محيطٍ معادٍ لم يتوقّف خلالها النزيف، ولم يهدأ خلالها الفلسطينيون، رغم عِظَم التضحيات، وضخامة الأثمان.
لقد أصاب الغرور كلّ قادة إسرائيل، منذ قيامها، راهنوا خلالها على تفكّك العرب، وضعفهم، وانقساماتهم وصراعاتهم، وراهنوا على قوّة الداعمين الدوليّين لدولتهم، وكأنّ سيادة هؤلاء على النظام العالمي مستمرّة إلى الأبد.
بعد الحرب العالمية الثانية، وخلال النظام ثنائي القطبية لم يكن "حلّ الدولتين" في مركز اهتمام المنظومة الاشتراكية، أصبح هذا الاهتمام صفراً بعد انهيار النظام الاشتراكي والاتحاد السوفياتي، وقيام النظام أحادي القطبية.
وحتى يومنا هذا لم يصبح "حلّ الدولتين" في مركز الاهتمام الحقيقي والجدّي للدول الكبرى التي تسعى للإطاحة بنظام القطبية، ومن غير المحتمل أن يصبح من أولوياتها خلال سنوات قادمة.
وبدا وكأنّ العرب هم، أيضاً، وبتأثيرٍ مباشر قوي من الولايات المتحدة الأميركية، قد أعطوا الأولوية لمصالحهم القطرية، وأخذ العديد من الأنظمة يتخلّون عن مركزية القضية الفلسطينية، ويكتفون بإصدار البيانات فارغة المضامين، دون إدراك لطبيعة الأطماع الصهيونية، والتداخل الشديد بين القومي والوطني.
هكذا وجد الفلسطينيون أنفسهم لوحدهم يخوضون الصراع، لا يتلقُّون الدعم اللازم حتى حين ارتضوا بأقلّ القليل من حقوقهم، وانتهجوا استراتيجية البحث عن السلام.
وها هم الفلسطينيون، اليوم، يخوضون صراعاً مريراً، ويدفعون أثماناً باهظة، مع صمت عربي مريب إلّا من رحمَ ربي، في مواجهة تحالف دولي تقف على رأسه الولايات المتحدة بكلّ إمكانياتها وجبروتها.
يخوض التحالف الدولي حرباً، لإنقاذ إسرائيل من نفسها، ولإنقاذها من إصرار الفلسطينيين على انتزاع حقوقهم، ومن أجل استمرار وظيفتها التي رسمها لها الاستعمار القديم، وتوارثها الاستعمار الحديث.
هي حرب وجودية، أو هكذا يراها قادة إسرائيل، ولكنها حرب، تحرّرية، وحربُ بقاء وحياة بالنسبة للفلسطينيين، لا يساورهم خلالها أيّ شك، في أنّهم أصحاب الحقّ الباقون على هذه الأرض إلى الأبد.
ثمة من لا يزال يجادل في تقييم النتائج حتى الآن، وإذا ما كان الفلسطينيون قد حقّقوا شيئاً منذ "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/ تشرين الأوّل، لا شكّ أن الثمن كبير والمأساة موجعة، إلى حدّ الكارثة، ولكن من قال إنّ تحرير الأوطان، يتمّ من دون أثمان، ومن يستطيع إنكار أنّ الشعب الفلسطيني لم يدفع أثماناً باهظة قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأوّل، ولكن من دون تحقيق انتصارات؟
أهل غزّة لن يغادروا إلى أيّ مكان وقد سيموا العذاب، وسكنوا الخيام، وافتقدوا كلّ سبل الحياة خلال الأشهر الأربعة المنصرمة، وقد/ بل وبالتأكيد ستمتد المعاناة إلى ما بعد وقف الحرب عليهم، ولكن ليس ذلك من دون مقابل.
فشلت إسرائيل وتحالفها الدولي، في تحقيق الأهداف التي أعلنوها منذ البداية، فلا يتمّ تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء المصرية، ومن الضفة الغربية إلى الأردن ولم ينجحوا في تصفية القضية الفلسطينية.
وفشلت إسرائيل وتحالفها الدولي في السيطرة على الشرق الأوسط وإعادة هيكلته بما يعزّز سيطرة القوى الاستعمارية عليه، بعد أن فشلوا في تحقيق الهدف الأوّل.
وفشلت إسرائيل وتحالفها الدولي في سحق المقاومة الفلسطينية، رغم كلّ ما قاموا به، واستخدموه من وسائل التدمير والقتل، ولم ينجحوا ومن غير المحتمل أن ينجحوا في تحرير الأسرى الإسرائيليين، فهم إمّا أن يُقتلوا على يد الجيش الإسرائيلي وإمّا أن يتمّ تحريرهم من خلال صفقة.
المقاومة قادرة على إرغام إسرائيل المتغطرسة على تحرير آلاف الأسرى الفلسطينيين حتى ممّن تقول إنّ أياديهم ملطّخة بالدماء.
إسرائيل، اليوم، معزولة ومنبوذة دولياً، بسبب انكشاف زيف روايتها، وبسبب وحشية ممارساتها، وعنصريتها، وكُرهها وحقدها على البشر.
القضية الفلسطينية، اليوم، تشكّل مركز اهتمام الرأي العام العالمي حتى في الدول التي تدافع عن إسرائيل وتدعمها، وتتبنّى روايتها، وتحت تأثير فشل التحالف، ونهوض الرأي العام العالمي فقد أصبحت الدولة الفلسطينية على طاولة البحث الجدّي.
لا مجال للمراوغة، فإمّا أن تنتصر وتتغلّب الرواية الصهيونية المتطرّفة التي لا ترى للشعب الفلسطيني حقوقاً أو وجوداً، وإمّا أن تتغلّب رواية من صنعوا دولة الاحتلال، ويعملون على بقائها واستمرار وظيفتها.
لقد انهارت منظومة القيم الاستعمارية، وظهرت بشاعة سياساتها وازدواجية معاييرها، وظلم أنظمتها، وباتت تلك الأنظمة تعاني بسبب مواقفها، وبعد أن تعرّضت مصالحها للخطر.
فشل التحالف الدولي حتى في تحقيق أبسط الأهداف، وفشلت آلة القتل الإسرائيلية، حتى في السيطرة على المناطق في قطاع غزة التي قامت بتدميرها بالكامل.
تتحدّث قيادة الحرب عن إنجازات من خلال حربها الوحشية، وتواصل العناد ومواصلة العدوان من أجل تحقيق الانتصار الكامل، لكن الإنجاز الوحيد الذي تحقّق، يتمثّل في ارتكاب المجازر وشنّ حرب إبادة جماعية.
يرتدّ هذا الإنجاز على أصحابه، حيث تنشط مؤسّسات العدالة الدولية، وقطاعات واسعة من منظمات "المجتمع المدني"، والمحامين، والدول لمقاضاة ومحاسبة إسرائيل.
لم نتحدّث بعد عمّا أصاب إسرائيل من خسائر باهظة بشرية ومادية واقتصادية واجتماعية ونفسية، ولا تزال تدفع المزيد من الأثمان.
لكن من يديرون الحرب في إسرائيل، يتمسّكون بالمواصلة، وكأنّهم يقولون: "وهل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها". ما زال هؤلاء يحلمون بالعودة إلى غزّة، لبناء المستوطنات، وآخرون يحلمون بأنّ إقامة "منطقة أمنية" عازلة على محيط القطاع، يمكن أن تحقّق الأمن للمستوطنين في "غلاف غزّة".
لو كانت مثل هذه المنطقة تحقّق الأمن لما وقع ما وقع في 7 أكتوبر/ تشرين الأوّل، قادة الحرب يُظهرون غباءً شديداً متواصلاً، وهم ما زالوا بعيدين عن استخلاص الدروس، والتعلُّم من تجربة الصراع.
 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد