اندلاع الحرب في أوكرانيا طغى على اهتمام الدول الغربية وخاصة دول الاتحاد الأوروبي التي وجدت نفسها بضغط من الولايات المتحدة متورطة في كل تفاصيلها، سواء بتقديم دعم مادي وعسكري غير محدود يتجاوز كثيراً الخطوط الحمراء التي وضعتها أوروبا لنفسها في بداية الحرب لدرجة اتخاذ قرارات بمد أوكرانيا بالدبابات وربما الطائرات المقاتلة في مرحلة لاحقة. وقد أثقل الدعم الأوروبي غير المحدود لأوكرانيا على ميزانيات الاتحاد الأوروبي وخلق مشكلات اقتصادية كبيرة لدى غالبية الدول الأوروبية التي باتت تشهد تظاهرات حاشدة تتعلق بسوء الأوضاع الاقتصادية والغلاء الفاحش في بعض السلع وخاصة الغاز والطاقة عموماً.

ومع الأيام يبدو أن الوضع سيأخذ في التعقيد، خصوصاً وأن الحرب تبدو مستمرة لزمن طويل أكثر بكثير مما توقعت الدول الغربية التي راهنت على انهيار الاقتصاد الروسي أو تضعضع الجيش والقوات المسلحة المشاركة في الحرب ضد أوكرانيا أو الغرب بصورة أكثر دقة، وهذا لم يحدث، بل ما حدث هو عملية استنزاف لأوروبا التي باتت غير قادرة على توفير الذخائر التي تحتاجها أوكرانيا وبالذات لأن استهلاك أوكرانيا اليومي منها أكبر من القدرة الإنتاجية للمصانع الغربية.


على كل الأحوال، كانت الحرب في أوكرانيا ولا تزال الشغل الشاغل لأوروبا. وتراجعت القضايا والملفات الأخرى التي كانت تستحوذ على اهتمام أوروبا. ولكن في الأيام الأخيرة بدأت الدول الأوروبية تنظر باهتمام لما يحدث في منطقتنا بالرغم من الحرب الأوكرانية ومن الكارثة التي تسببت بها الهزات الأرضية العنيفة التي ضربت تركيا وسورية.

والاهتمام المتجدد بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي باعتباره أولوية برز بسبب تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة بنيامين نتنياهو والمكونة من ائتلاف أقصى اليمين واليمين العنصري الاستيطاني في إسرائيل. وهذه الحكومة أقلقت الاتحاد الأوروبي حتى الدول الصديقة لإسرائيل لسببين؛ أولهما، أنها حكومة تجد معارضة شديدة في الداخل لأنها نقشت على رايتها إجراء ثورة في الجهاز القضائي يمس بمبادئ «الديمقراطية» التي تتبجح بها إسرائيل التي تعتبر نفسها، وتعتبرها الدول الغربية «الديمقراطية الوحيدة» في الشرق الأوسط. والمعارضة الإسرائيلية للحكومة القائمة فتحت عيون الغرب على تدهور القيم الديمقراطية داخل إسرائيل التي أصبحت أيضاً دولة تمييز عنصري ضد الفلسطينيين.

وفي هذا السياق بدأت الدول الأوربية تتساءل عن فحوى التغييرات التي تريد هذه الحكومة إدخالها على القوانين الإسرائيلية، وهناك دول كفرنسا على سبيل المثال وجهت ما يشبه التحذير للحكومة الإسرائيلية حول هذا الموضوع.


والسبب الآخر هو مستوى المواجهات العنيفة التي حصلت في الفترة الأخيرة في فلسطين بين جيش الاحتلال والمستوطنين وبين المجموعات الفلسطينية المقاتلة وبين شبان فلسطينيين يعملون بشكل فردي ضد أهداف إسرائيلية، بما في ذلك تنفيذ عمليات إطلاق نار ودهس وطعن. وكانت حصيلة الضحايا بين الفلسطينيين كبيرة جداً في السنة الماضية وبداية هذا العام، وأيضاً كانت هناك خسائر إسرائيلية في الأرواح.

فالتوتر الحاصل في المنطقة والمرشح للوصول إلى حالة مواجهة شاملة وربما انفجار كامل للوضع يقلق أوروبا التي هي قريبة جداً من المنطقة وسريعة التأثر بما قد يحدث من تصعيد دموي بسبب السياسة الإسرائيلية الراهنة التي يقودها أشخاص موتورون وإرهابيون من أمثال إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي. فهناك تخوف أوروبي من موجات إرهابية قد تحدث بسبب التأثر بالصراع أو على الأقل تحت هذا العنوان، وربما موجة هجرة جديدة.


لقد زرت بروكسل الاسبوع الماضي وتسنى لي لقاء عدد لا بأس به من السياسيين الأوروبيين من وزراء وأعضاء برلمان وسفراء، وقد تفاجأت بتجدد الاهتمام الأوروبي بما يحدث لدينا ورغبة أوروبا أو على الأقل عدد من دول الاتحاد للتدخل الفاعل من أجل تهدئة الأمور.

وتصر الدول الأوروبية على الحفاظ على حل الدولتين الذي تريد الحكومة الإسرائيلية القضاء على فرصه تماماً. وهناك تساؤلات لدى بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي عما يمكن فعله في هذا الإطار. ويتشكل حالياً لوبي من الدول القريبة من حيث الموقف السياسي المناصر للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والمعارض للسياسة والإجراءات الإسرائيلية العدوانية بما في ذلك عمليات القتل اليومية والاعتقالات والاستمرار في البناء الاستيطاني وهدم البيوت والمنشآت الفلسطينية وخاصة في مناطق (ج) التي بعضها مولتها أوروبا. وقد يقدم هذا اللوبي على اتخاذ قرارات وعدم انتظار حصول إجماع في الموقف الأوروبي، كما جرت العادة في التعبير عن المواقف السياسية لأوروبا. وتصريح الوزير بتسلئيل سموتريتش أمس حول شرعنة البؤر الاستيطانية التي كانت تعتبرها إسرائيل غير شرعية وإزالة أية حواجز أمام البناء الاستيطاني، من شأنه أن يوضح بشكل سافر حقيقة موقف حكومة إسرائيل ويضعها في مواجهة مع الولايات المتحدة وأوروبا.


ولكي يتطور الموقف الأوروبي بشكل إيجابي ينبغي أن تنشط الدبلوماسية الفلسطينية النائمة، وأن تعمل على تفعيل العلاقة والتواصل مع أعضاء البرلمان الأوروبي ومع الحكومات المختلفة ومع منظمات المجتمع المدني والجهات ذات التأثير على الرأي العام لشرح ما يحدث لدينا وطبيعة الاحتلال الإسرائيلي وممارساته المجرمة التي تتناقض مع المبادئ التي تؤمن بها أوروبا. وحتى تتوقف أوروبا والغرب عن الكيل بمكيالين فيما يتعلق بخرق حقوق الإنسان والقانون الدولي، ومعاملة إسرائيل كما غيرها من الدول والكف عن منحها حصانة بسبب عقدة الذنب الأوروبية تجاه اليهود. نحن بحاجة لحوار عقلاني مع أوروبا، كما أننا بحاجة لترتيب أوضاعنا الداخلية وخاصة في موضوع إجراء انتخابات عامة على وجه السرعة ويمكن أن يتم ذلك بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي. فكلما كانت مؤسساتنا موحدة وتحظى بثقة الشعب الفلسطيني والمجتمع الدولي كان صوتنا أعلى وقدرتنا على التأثير أكبر.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد