"الأنروا" .. تساؤلات وشبهات حول آليات إغاثتها ودعمها للمنكوبين في قطاع غزة
غزة / سمر الدريملي / وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأنروا" تُعتبر ثانية أكبر مؤسسةٍ في القطاع بعد الحكومة، وهي من أكثر الجهات الفاعلة التي تنشط لإغاثة المنكوبين والضحايا في قطاع غزة الذي ما ينفك يخرج من أزمة حتى تعصف به أزمة جديدة.
لكن ثمة ملاحظات وشكاوى بدأت تنهال على الوكالة معلنةً رفضها لما تصفه بـ "سوء إدارة وتوزيع" تلك المساعدات من قبل "الأنروا" لا سيّما وقت الأزمات والحروب والطوارئ؛ التي تعصف بقطاع غزة، مما استدعى قيامَنا بالتحقيق التالي.
"جداد على النظام"
"حسين" هو واحدٌ من أولئك الذين عملوا في استلام وتوزيع المساعدات الغذائية والطبية؛ التي كانت تصل إلى قطاع غزة (في الحرب التي شنّتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في 27 ديسمبر من العام 2008، واستمرت حتى 18 يناير من العام 2009) قال إنه كان يرى كشوفات المساعدات عبر بريده الإلكتروني ويذهب لاستلامها من أيٍ من المعابر التي كانت تدخل منها المساعدات للقطاع آنذاك للأنروا، وهي خمسة معابر (المنطار، شمال القطاع، العوجة، كرم أبو سالم ورفح جنوب القطاع) حيث كان يذهب ليستلم كميةً معيّنة؛ لكنه كان يُجبر على أن يوقّع على استلام الكمية كما في الكشوفات، في حين أنه يكون قد استلم كميةً أقلّ، فمثلاً؛ بدلاً من أن يستلم (15) "مشطاحاً" (صناديق كبيرة تُملأ بالمساعدات) كان يستلم (11) مشطاحاً، ويُجبره من في المعبر على التوقيع على استلام (15)!.
وأضاف: "لم أكن أتقبّل أنا وزملائي هذا الأمر بسهولة، وكنا نتجادل مع من في المعبر؛ لكن دون جدوى، وقد كانوا يسمعوننا ألفاظاً بذيئةً تارةً، وتارةً أخرى يستهزئون بنا؛ ويقولون: "أنتم جداد على النظام" مشيراً إلى أنه كان يهاتف إدارته فتُبلغه أن يستلم ويرجع، حيث يُقال له: "في نهاية اليوم هناك اجتماعٌ يوميٌ يمكنك قول ما تشاء فيه".
وتابع: "كانوا في كلّ مرةٍ يرسلونني لمعبرٍ مختلف، فأجد نفس القصة؛ حتى أنني قدّمت استقالتي لرفضي هذا الوضع من التسيّب".
وأضاف: "الحرب على غزة كشفت عيوباً إداريةً في عمل "الوكالة" فالحرب شُنّت على غزة وكان معظم المسؤولين وصُنّاع القرار الأجانب في "الوكالة" في إجازة رأس السنة وأعياد الميلاد المجيد، ولم تكن هناك سرعةً في اتخاذ قراراتٍ حاسمةٍ وبديلةٍ من قبل العاملين هنا في غزة؛ للتعامل مع الأزمة بحنكةٍ وذكاء، كما كان هناك إهمالاً وسوء إدارةٍ وتضاربٍ في المصالح في بعض الأحيان في عمل "الأنروا" عند توزيع المساعدات؛ لا سيّما وقت الأزمات وحالات الطوارئ في غزة، حتى أنها تتحوّل لـ "وكالة بدون بوّاب" بل إنّ الكثيرين من حُرّاس "الأنروا" هم جزءٌ من دائرة الفساد".
وذكر أنّ تحقيقاتٍ جرت بعد انتهاء الحرب، وتمّ إجبار بعض المشتبه بتورطهم بالتزام بيوتهم لمدة 3 شهور، لكنهم عادوا على رأس عملهم بعد انقضاء المدّة.
وأضاف: "إن كانت الوكالة تحتاج لمعرفة أيّ شيءٍ يمكنها الرجوع للكاميرات والأشرطة التي توثّق حركة كلّ شيء في مرافقها المختلفة".
وكان تقريراً نشره "الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة" (أمان) في مايو من العام 2013 حول بيئة النزاهة والشفافية والمساءلة في عمل "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" (الأنروا) في كلٍ من قطاع غزة والضفة الغربية أكدّ أن تقرير المفوّض العام للأنروا للأعوام 2008-2009 أغفل توضيح مصادر التمويل للدول المانحة، ونسبة مساهمة كلّ دولة، كما أغفل الإشارة إلى الأسس أو المرجعية التي تمّ من خلالها توزيع بنود الموازنة على البرامج، حيث لم يذكر التقرير اعتماده في توزيع بنود الميزانية على خطةٍ استراتيجيةٍ مُعدّةٍ سلفاً".
كما أكدّ التقرير "غياب وحدات الرقابة الداخلية ضمن الهيكلية الإدارية للأنروا في أقاليم عملها، والاقتصار على وحدة الرقابة التابعة لمكتب الرئاسة في عمان؛ بالرغم من اتساع حجم عمل "الأنروا" والحاجة إلى وحداتٍ رقابيةٍ في كلّ مكتبٍ إقليميّ، إضافةً إلى وجود ضعفٍ في نظام الشكاوى؛ من حيث وضوح التعليمات الخاصة بتقديم الشكاوى؛ سواءً ما يتعلق منها بالعاملين في "الوكالة" أو متلقي الخدمة.
نفاياتٌ أم مساعداتٌ طبية؟!!
ونوّه "حسين" إلى أنّ "بعضاً من المساعدات كانت تخرج من بلدانها فاسدةَ منتهية الصلاحية، إذ أنّ تكلفة تصديرها للقطاع أقلّ من تكلفة إتلافها في تلك البلدان؛ وذلك لأخطارها الجسيمة على البيئة بعد عملية الإتلاف، حتى أنني أذكر أن بعض أكياس المعكرونة والطحين كان تاريخ انتهائها في 7ديسمبر 2008، وخرجت من بلدانها بتاريخ 27ديسمبر 2008، كما أن العديد من شحنات الأدوية كانت منتهية الصلاحية، وبرغم ذلك؛ كان يتمُّ توزيعها.. رغم أنها نفاياتٌ طبيةٌ وليست مساعدات طبية".
واستطرد قائلاً: "بعض الجمعيات في المناطق المهمّشة -والتي وصلت إليها بعض المساعدات الغذائية من الأنروا في الحرب لتوزيعها على الناس في تلك المناطق- هاتفتني -لمعرفتها بي شخصياً- لتشتكي من أنّ عدداً كبيراً من الأطفال أصيبوا بحالاتٍ من الإسهال؛ بعد أن تناولوا تلك المساعدات".
"تهاني . ط" ناشطةٌ مجتمعيةٌ وحقوقيةٌ تقطن في خانيونس جنوب قطاع غزة؛ أكدّت أنها لا تنسى بأنها حصلت على مجموعةٍ من أكياس الطحين التي تمّ توزيعها على الناس في منطقة "الفخاري" جنوب شرق "خانيونس" وكانت قد انتهت صلاحيتها؛ حيث كان تاريخ الانتهاء في 25ديسمبر، في حين أنها وُزعت بعد انتهاء الحرب في 18 يناير من العام 2009.
وقالت: "كثيرٌ من الناس لا تُدقّق في تاريخ صلاحية ما توزعه "الأنروا" لثقتها العمياء بها، لكنّ ذلك خطأ، كما أن الأقسى من الصاروخ هو الفساد، وتوزيع موادٍ منتهية الصلاحية على الناس هو قمة التسيّب والفساد".
وتابعت: "بعض المناطق الريفية التي تمّ توزيع السلال الغذائية فيها؛ أُصيب أهلها بالجفاف، وبمشاكل صحيةٍ نتيجة عدم تعوّدهم على المأكولات المعلّبة والمواد الحافظة، وانتقالهم من نظامٍ غذائيٍ يعتمد على ما تُنتجه أراضيهم إلى نظامٍ غذائيٍ يعتمد على المعلّبات والأطعمة الجاهزة والسريعة".
"..يجب مراعاة الاختلافات بين الناس والمناطق الجغرافية، ووضع معايير للمساعدات الغذائية، لا أن يتمّ التشدّق بما يتم توزيعه عليهم، بعيداً عن التوزيع العشوائي وغير المدروس".
يُذكر أنّ "منظمة الصحة العالمية" (WHO) أصدرت بياناً في شهر أغسطس من العام 2010 أكدّت فيه أن نسبةً كبيرةً من المساعدات الطبية التي وصلت لقطاع غزة في فترة حرب 2008-2009 وما بعد الحرب؛ كانت منتهية الصلاحية، أو على وشك الانتهاء، وذلك قبل وصولها لغزة.
وفي ذات الفترة؛ أعلن مسئولون في وزارة الصحة بالحكومة المقالة بغزة أنّ الوزارة لديها الكثير من كميات التبرعات التي أرسلتها دولٌ ومؤسساتٌ مختلفةٌ انتهت صلاحيتها تماماً، وباتت أضرارها أكثر من فوائدها.
وكان د. "منير البرش" مدير عام الصيدلة بوزارة الصحة قد صرّح أنّ "المستشفيات والمرافق الصحية استفادت فقط من 30% من التبرعات الطبية التي وصلت أثناء وبعد الحرب الإسرائيلية على القطاع، وذلك في الفترة من 28 ديسمبر 2008 وحتى يونيو 2010، حيث أنّ بعضها تبرعاتٌ عشوائيةٌ، وبعضها فَسَدَ بسبب سوء التخزين على المعابر، كما أن ما نسبته 22% من التبرعات وصلت مخازن الوزارة "منتهية الصلاحية" وتُقدّر قيمتها بمليونيْ دولار.
وقال "حسين": "الفساد الإداري والمالي في الأنروا استمرّ حتى أثناء الحرب التي شنّتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في نوفمبر من العام 2012، حيث لم تكن هناك سرعة استجابةٍ ل فتح مراكز إيواءٍ للاجئين والنازحين إلا بعدّ الضغط عليهم، وإرسال المناشدات المتواصلة؛ حتى أنهم فتحوا -أول ما فتحوا- مدرسة "الفاخورة" دون الإعلان عنها، وهي ذاتُ سمعةٍ مخيفةٍ بين الناس، إذ ضُربت بالفسفور الأبيض في حرب 2008-2009، كما رفض المختصّون في "الأنروا" اقتراحاً بتعميم أماكن وعناوين مراكز الإيواء؛ التي فتحتها "الأنروا" عبر تلفزيون "الأنروا" وذلك بحجّة عدم تشجيع الناس على النزوح، وعدم إخافتهم، وهذا الرفض يمثّل تناقضاً صريحاً مع مدوّنات العمل والسلوك الإنساني في التعامل مع الناس وقت الأزمات".
بلاغاتٌ كيديةٌ.. ليس إلا..
من ناحيتها؛ قالت "ميلينا شاهين" مدير الإعلام في مكتب غزة الإقليمي التابع لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى أنّ "الأنروا تُعتبر ثاني أكبر مؤسسةٍ في قطاع غزة بعد الحكومة؛ وثاني أكبر قطاعٍ للتوظيف والخدمات، فهي تضمُ (13) ألف موظفاً، كما يستفيد من مساعداتها الغذائية (800) ألف شخص سنوياً".
وفيما يتعلق بأوقات الطوارئ والأزمات؛ أوضحت "شاهين" بأنّه "منذ العام 2007؛ تمّ تشكيل فرق استجابةِ للطوارئ على المستوى الميداني وعلى مستوى المكتب الإقليمي، حيث يتمُّ تقديم المساعدات الإنسانية لأهالي القطاع؛ سواء أكانوا لاجئين أم غير لاجئين، في وقت الأزمات والطوارئ سواء أكانت طبيعيةً أو من صُنع الإنسان، وتشمل مساعداتٍ غذائيةً وصحيّةً ومأوى؛ وكلّ ما يلزم من فراشٍ وبطانيّاتٍ..إلخ".
وأضافت: "الأنروا تتبع أعلى معايير الشفافية والنزاهة في كلّ تعاملاتها؛ سواءً في الحالات الاعتيادية أو الطارئة، فكلُّ موظفٍ يوقّعُ على "إقرار وتعهد" باتباع مبادئ الشفافية والنزاهة في كلّ تعاملاته المهنية، مع العلم أنّه يتمُّ تجديد هذا "التعهد" بين فترةٍ وأخرى، كما أنّ "الأنروا" لا تتهاون في التعامل مع أي حالات فسادٍ قد يثبت تورط البعض فيها".
وتابعت: "يوجد مكتبٌ قانونيٌّ تابعٌ للوكالة، وهو يتابع أيّة شكاوى قد تأتي ضد أيّ موظف، فإن كان هناك دليلاً معيناً على تورط شخص ما في الفساد، يُستدعى الموظف لاستجوابه من قبل لجنة تحقيقٍ رسمية، فإن ثبُت تورط ذلك الموظف؛ فيتمُّ اتخاذ الإجراءات المناسبة بحقّه.." منوهةً إلى أنّه "في بعض الأحيان؛ قد تكون بعض البلاغات والشكاوى كيديةً فقط لا أكثر ولا أقل".
وبخصوص توزيع مساعداتٍ منتهية الصلاحية؛ أكدّت "شاهين" أنّ "ذلك لم يحدث على الإطلاق، بل إنه في حال اكتشفنا أنّ هناك مساعداتٍ منتهية الصلاحية؛ فإننا نرجعها لبلدانها مع رسالة شكر".
وأشارت إلى أنّ "هناك لجنة فحص في معبر كرم أبو سالم تأخذ عيّنةً من أية مساعداتٍ لفحصها، كما "أننا اتجهنا مؤخراً لشراء الكثير من المساعدات من السوق المحليّة؛ مثل الطحين وما شابه".
تغليظ العقوبة
"عدنان . ف" أحد مسئولي "الوكالة" الذين تمّ انتدابهم لمتابعة علمية استلام وتوزيع المساعدات وإدارة غرف عمليات الطوارئ، اعتبر أنّ "الأنروا في حرب 2008-2009 أُخذت على حينِ غرةٍ؛ حيث لم تكن مهيئةً لوجستياً، إضافةً إلى حداثة التجربة، وعدم وجود كادرٍ بشريٍ مهيئٍ، وقلّة خبرة التخزين والتصنيف والنقل، وغياب فكرة التنسيق بينها وبين الحكومة المقالة في غزة وبينها وبين مؤسسات المجتمع المدنيّ المختصة بشكلٍ عام، حتى أنه كان يحدث –أحياناً- في المعابر تصادمٌ بين موظفي "الأنروا" وموظفي حكومة حماس بسبب سوء الفهم وعدم معرفة المساعدات قادمة لمن".
وقال: "كانت هناك خطة طوارئ للأنروا تستهدف 5000 شخصاً، وفي غضون ساعاتٍ؛ صاروا أكثر من 65 ألف شخص!".
وأضاف: "كان يأتي يومياً أكثر من 70- 80 مقطورةً من المساعدات، وعندما نذهب للمعابر كنّا نسير بأقدامنا على جبالٍ من المواد الغذائية؛ كالعدس والأرز والطحين، وكنا نجد الأرض مليئةً بالحليب والماء والبسكويت، بل إنه وبعد انقضاء الحرب كانت الحيوانات تذهب لتأكل من بقايا تلك المساعدات".
وأضاف: "أحياناً؛ كانت تتلف بعض المساعدات، وقد حدثت سرقاتٌ بالفعل، لكن؛ معظم المساعدات تمّ توزيعها، وللأسف؛ لا يوجد قانون عقوبات في تشريعنا الفلسطيني للجرائم الاقتصادية؛ لمحاسبة أمثال هؤلاء المتورّطين؛ حيث يجب تغليظ العقوبة؛ لأنّ الناس كانت في أمسّ الحاجة لأن تصلها تلك المساعدات".
وأكدّ أنّه "بعد انقضاء فترة الحرب؛ جرت تحقيقاتٌ مع عددٍ من الذين ذُكرت أسماؤهم كمتورطين في حالة التسيّب تلك، حتى أنّ بعضهم أُحيل للتحقيق، وهناك من عُوقبوا بتقليل رُتبهم، وهناك من أُوقفوا لشهرين أو لثلاثة أشهر أو لستة أشهر".
وأشار "عدنان" إلى أنّ "الأنروا" "استفادت من تجربة الحرب على غزة، وقامت بوضع خطةٍ تحسباً لاندلاع أزماتٍ أخرى مثيلة، وبدأت ببناء قدرات الطاقم المختصّ على مستوى مناطق القطاع".
من ناحيته؛ دعا "بكر التركماني" المستشار القانوني في "الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة" (أمان) بغزة جميع الأطراف التي تعمل في مجال تقديم المساعدات والخدمات المختلفة لقطاع غزة -وعلى رأسها الأنروا- دعاها إلى "ضرورة التزام النزاهة والشفافية في مراحل عملها كافة، لا سيّما أنّ "الأنروا" لا تخضع لأية رقابة خارجية من قبل المؤسسات الفلسطينية؛ وذلك لتمتّعها بالشخصية القانونية والحصانة بموجب القرار رقم (302) إلى جانب اتفاقيات البلدان المُضيفة، واتفاقية المقرّ بين "الأنروا" والسلطة الوطنية الفلسطينية؛ والتي وُقّعت في 1996، على الرغم من كثرة المطالبات بضرورة ممارسة الجهات الفلسطينية الرسمية والمجتمعية دوراً رقابياً على أعمال الوكالة، لا سيّما؛ فيما يتعلّق بالاستراتيجيات والسياسات والبرامج المعتمدة، ومطالبة "الوكالة" بمزيدٍ من الشفافية في أداء أنشطتها وتنفيذ برامجها.
تجدر الإشارة إلى أنّ القرار رقم (302) ينصُّ على تحديد أهداف الوكالة، ولايتها، نطاق عملها، علاقاتها مع الحكومات المحلية في الشرق الأدنى والمنظمات الدولية المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، هيكلها الإداري، آليات تمويلها، والشخصية القانونية التي تتمتع به.
