الدروس التي استفادتها حماس من "الجرف الصامد"
غزة /سوا/ خرجت حماس مضروبة متألمة نتيجة 51 يوم من القتال في عملية "الجرف الصامد"، برامج إعمار قطاع غزة لا تسير وفق النمط والكيفية التي توقعها قادة التنظيم عند انتهاء المعركة، الوضع الاقتصادي في القطاع صعب للغاية والأزمة الاقتصادية والإنسانية قد تعتبر محفزًا للاحتجاجات الشعبية التي تهدد حكم حماس، هذا بالإضافة إلى أنه لا يلوح أفق سياسي قريب، والكفاح المسلح ضد إسرائيل ظل مكونًا جوهريًا في عقيدة التنظيم السياسية الإسلامية؛ ولذلك فإن جولة أخرى من المواجهة بين حماس وإسرائيل تبدو مسألة وقت لا أكثر، عودة محمد الضيف للظهور على الخارطة أثارت أسئلة بشأن نوايا التنظيم العملانية في المواجهة المستقبلية مع إسرائيل.
يمكننا الآن أن نفترض انه في جولة القتال القادمة ستكون حماس مستعدة أكثر مما سبق، وأخطر مما سبق أيضًا، وذلك ان نتائج الحرب واستخلاص التنظيم لعبرها باتت معروفة جدًا في أساليب عملها في كل مواجهة جديدة، هذه المعلومة يجب ان تأخذ بالحسبان عند التقدير فيما إذا كان الهدف الاسرائيلي الذي وضعته إسرائيل في المواجهة الأخيرة مع حماس – تأسيس ردع طويل الأمد في مواجهة التنظيم – قد تحقق فعلًا.
من الواضح اليوم ان التنظيم مستعد جيدًا للمواجهة القادمة يرمم ويبني من جديد، وبشكل حثيث، قوته وبناه التحتية والعسكرية، في حين انه من المتوقع ألا تغير حماس بشكل دراماتيكي عقيدتها القتالية صوب المواجهة القادمة، ولكن نقدر انها تعمل جاهدة على تحسينها وتقويتها من خلال استيعاب وتطبيق العبر التي استفادتها منذ دخول وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب في صيف العام 2014 حيز التنفيذ.
هذا المقال يتفحص آلية استخلاص حماس العبر، وسيما الجوانب العسكرية، لبناء القوة وتشغيلها بهدف محاولة وتخمين استعداد التنظيم للمواجهة المستقبلية.
الهجمات من داخل القطاع على المناطق الإسرائيلية، فهمت قيادة التنظيم ان عدد الأنفاق التي بناها، والكيفية التي استخدمت بها، كانت مفاجأة لإسرائيل، ولذلك فقد أصبحت الأنفاق الهجومية مكونًا في مذهب حماس القتالي، رغم ان نتائج استخدامها في "الجرف الصامد" لم تكن لمستوى الحسم الذي توخته حماس، وإمكانية الإضرار الذي أحدثته لم تكن فعلًا بالمستوى الذي أرادته حماس.
من المفترض ان يستمر التنظيم في حفر الأنفاق ويحاول ان يفاجئ إسرائيل مرة أخرى بهدف ان يدفعها ثمنًا باهظًا، ولا يُستبعد ان تتركز جهود الحفر على عدد قليل من المحاور، ولكن لها احتمال تأثير عالٍ بهدف تصوير إنجاز نهائي من جهة حماس (اختطاف جنود أو مواطنين أحياء)، الأنفاق التحتية التي حفرت مثل شبكة متفرعة في غابة الأرض الغزية شكلت هي الأخرى مكونًا أساسيًا في قدرة حماس على القتال المتواصل، وإنجازها الأهم متعلق بنجاة سلسلة القيادة الوظيفية، ونكاد نجزم ان التنظيم يرمم الأنفاق التي تضررت ويواصل بناء أنفاق جديدة، وعلى ضوء حقيقة بقاء جميع السلسلة القيادية العليا على حالها، وكذلك المستوى السياسي لحماس.
حماس، وبقية الفصائل المسلحة العاملة في قطاع غزة، أطلقت أثناء "الجرف الصامد" أكثر من 4500 صاروخ لمسافات مختلفة على المنطقة الإسرائيلية؛ من هنا يأتي فهم حماس انه ورغم نجاح القبة الحديدية ومنعتها من التسبب بالكثير من الإصابات في أوساط السكان الاسرائيليين المدنيين؛ فإن إرغام ملايين المواطنين الاسرائيليين على دخول الملاجئ بشكل يومي ورتيب، وتشويش الحياة اليومية لسكان اسرائيل جراء ذلك؛ اعتبر إنجازًا كبيرًا بالنسبة لحماس، وقدرتها على تشويش الطيران المدني الاسرائيلي أيضًا (أثناء "الجرف الصامد" استمر وقف الطيران ليومين)، واحتمالية تضرر الاقتصاد الإسرائيلي، والمعنويات التي تنطوي عليه؛ من شأنه ان يشجع توجه تصنيع الصواريخ من خلال زيادة كميات الإنتاج وتحسين دقة وزيادة المسافات.
تنفيذ عمليات الإطلاق المتكررة في مناطق قطاع غزة تغذي هذه التقديرات، بالإضافة إلى انه، وكنتيجة عن عدد بطاريات القبة الحديدية، فهمت حماس انه سيتعين عليها في المستقبل ان تعمل على توسيع كبير لرقعة الأهداف لتفرض على دولة إسرائيل تقليل انتشار البطاريات وتركيز الدفاع على البنى الحيوية؛ الأمر الذي سيزيد من فرص اختراق المعطف الدفاعي، ومن غير المستبعد انه ولكي توسع حماس رقعة الأهداف والتسبب بتقليل البطاريات ان تستعين بقوات من حزب الله في لبنان أو سوريا والتنظيمات الفلسطينية في الجنوب اللبناني أو بالتنظيمات الإسلامية المتطرفة في شبه جزيرة سيناء، والتي ست فتح جميعها جبهات إضافية، وتطلق هي الأخرى الصواريخ باتجاه دولة إسرائيل.
أثناء عملية "الجرف الصامد" استخدمت حماس عدة تكتيكات تشهد نتائجها على ان جدواها لم تكن نضجت بعد، ورغم هذا؛ علينا أن نتوقع ان تستخدم في الجولة القادمة التكتيكات ذاتها، والمقصود اختراق الكومندو البحري للمناطق الإسرائيلية، واستخدام الطائرات غير المأهولة، والتي سيكون هدفها الرئيسي خلق تأثير إعلامي رادع في أوساط المواطنين الإسرائيليين، ولا يستبعد انه، وعلى الأقل، جزء من استخدامها لهذه يتسبب بإصابات في الأرواح أو الممتلكات، ولكن استخدام حماس للطائرات غير المأهولة في "الجرف الصامد" لم يسجل نجاحًا ملحوظًا، غير أن هذا هو أحد المجالات التي يستطيع التنظيم ان يقوم من خلالها بالقفزة الكبرى، سيما على ضوء حقيقة أن التطورات التقنية في هذا المجال آخذة في التقدم، وقد أرسلت إيران مساعدة في هذا المجال لحماس، والتي لديها قدرات متقدمة في تطوير وإنتاج هذا النوع من الطائرات.
ومن المتوقع ان تستمر هذه القدرات؛ الطائرات غير المأهولة يمكن ان تعتبر بديلًا عن إطلاق الصواريخ؛ بل ومضاعفة الأضرار، الطائرات غير المأهولة الانتحارية قادرة على رمي هدف بشري أو ذاتي، وكذلك من المتوقع ان يستثمر التنظيم في التسلح بصواريخ بر – بحر ضد السفن، وكذلك تقوية وتحسين منظومة الدفاع الجوية خاصته، هذا رغم انه من الواضح تفوق سلاح الجو الإسرائيلي؛ ذلك انه لو نجحت حماس بإسقاط طائرة حربية أو مروحية أو نجحت في إغراق سفينة لسلاح البحرية ستحظى بصورة للانتصار طالما تمنتها لوقت طويل.
انضم حزب الله الى الدفء الذي تسجل في الفترة الأخيرة بين حماس وإيران، ومنذ سنين توجد عملية تعلم مشتركة بين حماس وحزب الله؛ حماس تعلمت واستخلصت العبر والكثير من الخطوات من حزب الله وطبقتها، وحزب الله من ناحيته سيتعلم من أفكار حماس بخصوص العمليات العسكرية وطريقة عمل الجيش الاسرائيلي أثناء عملية "الجرف الصامد"، يحتمل ان جهود التعلم واستخلاص العبر عقب "الجرف الصامد" سيكون مشتركًا مع إيران وحزب الله وحماس، في "الجرف الصامد" كانت الوحدات التكتيكة الحمساوية مجدية وأكثر عدوانية من مثيلاتها في المواجهات السابقة مع الجيش الإسرائيلي، بالإضافة الى استخدام الوسائل القتالية المتطورة فقد شهدت عمليات الجناح العسكري على الفهم بأن استخدام السلاح الاعتيادي وأساليب القتال الأساسية قد تكون مجدية وعدوانية أكثر، من خلال نيران القناصة والرشاشات والقذائف المدفعية "الهاون" أو في الساحات المزدحمة بالعبوات الموقوتة والألغام، إلى جانب محاولات جر قوات الجيش الاسرائيلي الى "مصارعهم" شهدت على ان حماس استطاعت ان تدفع إسرائيل ثمنًا باهظًا من الضحايا؛ أكثر من أي مواجهة أخرى بين الطرفين خلال السنوات الثمانية الأخيرة.
في المفهوم العسكري؛ لدى حماس تأسست استراتيجية إعلامية فاعلة وصفت بـ "عقيدة الضحية" ومضمونها استخدام المواطنين كدروع بشرية، بمعنى إطلاق الصواريخ واستخدام الأسلحة من داخل المناطق الآهلة المزدحمة بهدف ان تفرض على إسرائيل الرد والمساس بالسكان الفلسطينيين غير المتورطين؛ هذه الاستراتيجية تهدف الى إحداث ضغط سياسي إعلامي وقضائي دولي على إسرائيل من أجل المساس بشرعيتها واستخدام القوة في عزلها من خلال اتهامها باستخدام القوة غير المتكافئة، من المؤكد ان نجاح حماس في إيصال رسالة "الضحية" أثناء عملية "الجرف الصامد" سيجعلها تتصرف بطريقة مشابهة في المواجهة القادمة أيضًا، رغم المعاناة والدمار الشامل الذي تسببت به هذه الطريقة لسكان القطاع.
رغم الثمن الباهظ الذي دفعته حماس في عملية "الجرف الصامد" إلا انها لم تفهم الدرس، وتجهز نفسها للحرب القادمة، بالنسبة للتنظيم فقتال إسرائيل هو أداة لتحقيق تغيير استراتيجي تسعى إليه بهدف تأمين حكمها في قطاع غزة، وتنصيب نفسها كلاعب أساسي فاعل على الساحة الفلسطينية الإسرائيلية، تفوق مكانته مكانة السلطة الفلسطينية بقيادة فتح و محمود عباس .
لكي نؤجل قدر الإمكان المواجهة القادمة مع حماس؛ المطلوب جهدين أساسيين: الأول منع تنامي قوة التنظيم بالمعدات القتالية الاعتيادية والمتقدمة والمواد الخام التي قد تستخدم في انتاجها، والثاني من خلال رافعة اقتصادية لتحسين الوضع الاقتصادي والوضع الانساني الخطيرين اللذيْن يعصفان بقطاع غزة.
التخفيف من أوضاع سكان القطاع سيعزز الشعور ببقاء حكم حماس في المنطقة باختفاء التهديد الأساسي الخطير على حكمها، ويمكن القول انه لا ينبغي الاستعجال بالحرب من أجل ذلك، ولكن علينا ان نذكر بهذا الخصوص انه في منظومة العلاقات الضبابية بين حماس والسلطة الفلسطينية، وسيما الخلاف بين الطرفين بشأن توزيع أموال الاعمار التي وعد بها قطاع غزة، تلعب دورًا أساسيًا في كبح التقدم على مسار الإعمار الضروري.
