البعض يرى فيها دليلاً على حيويّة المجتمع الفلسطيني، بينما البعض الآخر يرى فيها ظاهرة غير صحيّة، هذا فيما يتعلّق بالعدد الكبير للقوائم الانتخابيّة الذي بلغ عددها 36 قائمة، فمن جهةٍ يمكن النظر إلى هذا العدد كدليلٍ على رغبة المجتمع الفلسطيني في التغيير كما يعكس عدم ثقة بالقيادات السياسيّة الراهنة، في ظل تياراتٍ شبابيّة صاعدة طموحة ونشطة لم يُسمح لها أن تُساهم في التجربة الديمقراطيّة بعد انقطاع ما يزيد على عشرة أعوام على آخر انتخابات تشريعيّة مفترضة العام 2010، كما يعكس هذا العدد الكبير من القوائم، تعدديّة سياسيّة واجتماعيّة، والتباينات بين مختلف التيارات والفئات، ويمكن النظر إليها أيضاً وهو عدد احتجاجي يتم من خلاله تحميل مسؤوليّة الانقسام واستمراره وتداعياته إلى القيادات الحاليّة، كاحتجاج ربما يتجاوز ما يُقال عن تجديد الشرعية، إلى استيلاد شرعيّة جديدة، باعتبار أنّ القيادات الراهنة فرضت نفسها كأمرٍ واقع منذ عشرة أعوام على الأقل، أي منذ أن كان يجب عقد الانتخابات التشريعيّة في موعدها الدستوري.
إضافة إلى ذلك، فإنّ غياب عدد متزايد من الفصائل عن خوض الانتخابات رغم ترحيبها بها، وبصرف النظر عن الأسباب والذرائع، ربما يجعل من هذه الانتخابات من وجهة نظر الجمهور الفلسطيني، فرصة لغربلة الساحة الحزبيّة من أحزاب وقوى لا تشكّل من الناحية العمليّة إضافة نوعيّة أو سياسيّة، ناهيك عن إضافة عدديّة، مع الاعتراف بنضالها ومسيرتها التاريخيّة، وربما آن الأوان لكي يحدد الرصيد الشعبي مصيرها.
إنّ عملية التغيير في هذه الحال، من وجهة نظر البعض لا تتعلّق فقط بالمستويات السياسيّة القائدة على المستوى الوطني، بل أيضاً الساحة الحزبيّة والحركيّة الفلسطينيّة، فرغم أنّ نسبة الحسم تبلغ 1.5% فقط، ما يترك مجالاً أوسع لفوز القوائم متوسطة الأحجام والشعبيّة بمقاعد تحت قبة البرلمان، مع ذلك فإنّ عدداً متزايداً لن يستطيع تجاوز هذه النسبة التي أغرت عدداً من القوى والتيارات المشاركة في الانتخابات ظناً منها أنّ هذه النسبة تمنح لها فرصة، إلا أنه بالمقابل وبالنظر إلى عدد القوائم، فإن أصوات عدد كبير من الناخبين ستذهب سدى نظراً للتشتّت، وعدم تجاوز قوائم عديدة نسبة الحسم، ما يعني أنّ قوائم هذه الأحزاب والقوى، بما فيها ما تُسمي نفسها مستقلّة، قد لا يكون لديها ممثلون تحت قبة البرلمان، مع إدراكنا أنّ عدداً من هذه القوائم ستتنازل إلى القوائم الكبرى قبل يوم الانتخابات.
وعدم تجاوز بعض هذه القوى نسبة الحسم، وعدم بلوغها المجلس التشريعي، يجعل أمر مستقبلها في انتخابات المجلس الوطني لمنظمة التحرير قد بات محسوماً تقريباً؛ إذ لن يكون لها مكان على ضوء عدم شعبيتها، الأمر الذي ثبت بعدم تجاوز نسبة الحسم.
لذلك يمكن فهم تزايد الدعوات والشعارات «لا انتخابات من دون القدس» وهو شعار وطني صادق من حيث الجوهر، غير أنه يعكس وفقاً لنظرية المؤامرة رغبة طاغية لدى العديد من القوى لإفشال العمليّة الانتخابيّة تحت ذريعة عدم موافقة الاحتلال على إجراء الانتخابات في القدس ترشيحاً وانتخاباً، وبدلاً من أن يشكّل ذلك عملية نضاليّة وتحدياً شعبياً واسعاً للاحتلال على هذا الملف، والتأكيد على أنّه لا انتخابات من دون القدس ولن نسمح للاحتلال بتقرير انتخاباتنا التشريعيّة.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد