من المبكر الحكم على الدور الذي تنتظر الأطراف من إدارة بايدن القيام به إزاء ملف الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، استناداً إلى ما صدر من  وعود وتصريحات سواء خلال الحملة الانتخابية أو بعدها.
الأطراف الثلاثة، فلسطين وإسرائيل والولايات المتحدة، وهي المعنية مباشرة بملف الصراع، ومحاولات البحث عن تسوية، لا تزال كلها غير جاهزة، للمباشرة بتحريك هذا الملف.
في خطابه الأخير، ركز الرئيس الأميركي على جملة من الملفات، لم يكن من بينها الملف الفلسطيني الاسرائيلي، ذلك أن أجندة الإدارة الأميركية طافحة بالملفات المعقدة وذات الأولوية.
يلفت النظر اعتراف الرئيس الأميركي بأن ثمة منافسة حادة بين بلاده والصين، التي تسعى لأن تصبح الدولة الأعظم على المستوى الدولي، لكنه تعهد بأن لا يحصل ذلك خلال وجوده في البيت الأبيض، ما سيشغل أميركا لفترة طويلة من الوقت.
واضح أن الصين تسير بشكل حثيث نحو تبوُّء موقع الدولة الأعظم وإزاحة الولايات المتحدة عن عرش العالم، لكن الوصول إلى هذه المكانة يحتاج إلى أكثر من السنوات الأربع التي سيسكن خلالها بايدن البيت الأبيض.
منذ زمن طويل لم تبد الصين اهتماماً سياسياً، إزاء ملف الصراع الفلسطيني والعربي الإسرائيلي، ولكنها لم تخرج من دائرة موقفها التقليدي التاريخي ولهذا من المهم النظر بجدية، لمبادرة السلام التي أطلقتها الخارجية الصينية قبل أيام.
حين تكون الصين في موقع القوة الاعظم، فإنها لا تستطيع تجاهل دورها إزاء القضايا والملفات الدولية الساخنة، ولذلك فإن اسرائيل أدركت مبكراً، الاتجاه الذي تسير نحوه التوازنات الدولية، فأخذت توسع دائرة تعاونها وعلاقاتها مع الصين ما شكل ازعاجاً للادارة الأميركية السابقة.
في المقابل يتباطأ الفلسطينيون والعرب عموماً، في التعامل مع هذا المتغير المهم جداً، ويعبرون عن ارتياح من الصديق التاريخي ومواقفه المبدئية.
ستمر السنوات الأربع التي يشغلها بايدن في البيت الأبيض، دون أن تتمكن إدارته من تحقيق إنجاز في ملف المفاوضات والتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وذلك ما عبر عنه صراحة وزير الخارجية الأميركية بلينكن.
إذاً فإن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي سيتعاملان مع ما يصدر عن الإدارة الأميركية، بشكل تكتيكي، ما يعني ضرورة تفهم القوى السياسية الفلسطينية، لأهمية التواصل مع رؤية الدولتين، والدعوة للمفاوضات، وكل ما يتصل بهذه الرؤية وبما يسمح بتنشيط دور القوى الدولية في إبطاء المشروع الصهيوني التوسعي.
الفلسطينيون منشغلون حتى الربع الأخير من العام الحالي في إنجاز ملف الانتخابات والذي يفترض أن يفتح الطريق أمام إنهاء الانقسام خاصة وأن اسرائيل ستكون منشغلة في أزمتها الداخلية، فضلاً عن أنها تعترف بأن احتواء حركة حماس قد أصبح أمراً ممكناً.
خلال هذه الفترة، وفي ضوء خطورة المخططات الاستيطانية الاسرائيلية خصوصاً في القدس والأغوار، ينبغي ألا يظهر الفلسطينيون أي استعداد للتراخي في المواجهة. لعل أهم عناوين المواجهة يقتضي تصعيد المقاومة الشعبية السلمية، والإصرار على المضي قدماً في تفعيل دور المحكمة الجنائية الدولية، التي ستبدأ خطواتها الأولى في التحقيق خلال فترة قريبة.
لا يمكن الخضوع للضغوط الاسرائيلية الأميركية في هذا الملف، كما وقع بشأن تقرير غولدستون، ولا يمكن الوثوق بالوعود التي يمكن أن يقدمها الطرفان الأميركي والاسرائيلي، مقابل تساهل الفلسطينيين إزاء ما تقوم به الجنائية الدولية.
على الجانب الآخر، تمر اسرائيل في أزمة سياسية تتصل بالحكم وبالديمقراطية وهي في مطلق الاحوال، وبصرف النظر عن السيناريوهات المحتملة، ولا يزال اكثرها ترجيحاً، الذهاب إلى انتخابات خامسة، فإن إسرائيل لن تنجح في الجمع بين العنصرية، والديمقراطية ويهودية الدولة، ومواصلة الاحتلال.
إن ميكانيزمات، وآليات تحقيق المشروع الصهيوني لا تسمح اطلاقاً بالجمع بين مكونات المعادلة التي تسير عليها دولة اسرائيل، حتى لو حصلت على دعم مستمر من الولايات المتحدة والدول الغربية.
العرب المطبعون بدؤوا يصرخون، ويحذرون من أن يقدم نتنياهو على التحالف لتشكيل حكومة مع احزاب صهيونية يمينية متطرفة، تحتقر العرب، وتسيء لهم. يترتب على نتنياهو ان يأخذ ذلك بعين الاعتبار وإلاّ فإن انجازاته على صعيد التطبيع، ستبدأ بالتبخر شيئاً فشيئاً. ليس هذا فقط، فإن نتنياهو الذي يحاول إنقاذ مستقبله السياسي قد لا يفلح في تلبية شروط القائمة الموحدة، وأهمها الاعتراف بالدور السياسي للوجود العربي الفلسطيني في إطار السياسة العامة للدولة.
في كل الأحوال أمام إسرائيل بضعة أشهر، حتى تصل الى نهاية محددة إما بتشكيل حكومة أياً كان شكلها ومكوناتها، وإما الذهاب الى انتخابات خامسة ما يعني أنه لا يوجد شريك في اسرائيل لعملية سلام أو مفاوضات، أخذ يرتفع صوت الرباعية الدولية للمطالبة بها.
إن غياب مثل هذا الشريك بسبب غياب حكومة قادرة على اتخاذ قرارات اسرائيلية، لا يزعج الساسة الاسرائيليين بل لعل ذلك يشكل مبرراً، وذريعة للتملص من المطالبات والضغوط الدولية، الساعية لتنشيط عملية المفاوضات.
إن طغيان اليمين المتطرف، لا يسمح بتعديل الاستراتيجيات التوسعية، انطلاقاً من نصائح الحلفاء الذين يرون في حل الدولتين، الخيار الافضل الذي يضمن مستقبل اسرائيل كدولة، يهودية وديمقراطية، كما اشارت لذلك مؤخراً المندوبة الأميركية في الامم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد.
غرينفيلد أشارت إلى أن إدارة بايدن، ستفتح قنوات اتصال دبلوماسية مع الفلسطينيين، وأعلنت عن تقديم خمسة عشر مليون دولار كمساعدات انسانية للضفة وقطاع غزة، ما يشير إلى بداية تحرك عملي لواشنطن في اتجاه استعادة العلاقة مع الفلسطينيين، دون انتظار تحريك ملف المفاوضات.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد