بعد أن واظب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشكل كبير على إبراز دعمه المعنوي و المادي و العملي المتواصل لإسرائيل حتى آخر يوم في منصبه ، بدءاً من إعلانه القدس كعاصمة لإسرائيل ، و نقله لمقر السفارة الأمريكية من تل أبيب إلي القدس، و مرورا بفرضه عقوبات على إيران ، حتى توسط اداراته المباشر لعقد اتفاقيات سلام بين إسرائيل و بعض الدول العربية ، التي أدت حتى نهاية عام 2020 إلي حدوث اتفاقيات سلام بين إسرائيل وكل من الإمارات العربية المتحدة و البحرين و المغرب ، يمكننا القول اليوم أنه كان عنوان سياسة ترامب تجاه الشرق الأوسط هو : "إسرائيل أولا و أخيرا " .

وبعد خسارة ترامب الانتخابات الرئاسية، بدأت أنظار العالم تتجه نحو الرئيس الأمريكي الجديد والديمقراطي جو بايدن، الذي سيتولى الحكم خلال شهر يناير 2021، حيث يأمل الفلسطينيون بأن يتم إصلاح ما تم افساده من علاقات أمريكية – فلسطينية ابان حكم ترامب، وعودة المساعدات الأمريكية للشعب الفلسطيني مرة أخرى.

لكن هل الجميع يرحب بجو بايدن وسياسته الديمقراطية، أم أن هناك أطراف دولية تتخوف من سياسة بايدن الجديدة تجاه الشرق الأوسط خاصة فيما يتعلق بملف الاتفاق النووي الإيراني وإمكانية رفع العقوبات الأمريكية عن إيران؟

خلال هذا المقال سأبرز أهم ملامح سياسة بايدن تجاه قضايا الشرق الأوسط، أثناء فترة حكمه المقبلة، وذلك بناء على تحليل سياسة الحزب الديمقراطي الذي ينتمي له بايدن، ورؤية الحزب الديمقراطي للملفات الهامة المتعلقة بالشرق الأوسط، والتي أعلن عنها بايدن أثناء حملته الانتخابية الأخيرة.

أولاً) ملف القضية الفلسطينية

عندما تم سؤال بايدن خلال حملته الانتخابية عن موقفه من الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني ، أكد بايدن مرارا تأييده لحل الدولتين و عودة مفاوضات السلام بين الطرفيين ، لكنه لم يعطي أية وعود بإغلاق مقر السفارة الأمريكية الجديد بالقدس ، مما يدل على أن كل شيء تم أثناء عصر ترامب فيما يخص عملية الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل ، سيبقى كما هو دون أي تغيير ، و لكن ربما سيختلف بايدن عن ترامب حول تمسكه بمبادئ عدم فرض الرؤية الأمريكية للسلام على الطرف الفلسطيني أو الإسرائيلي، مع العمل على دعوة الطرفيين للعودة إلي طاولة المفاوضات مرة أخرى ، و ليس من المتوقع أن يقوم بايدن بفرض أية ضغوط سياسية على أي طرف ، لأن ملف الصراع الإسرائيلي -الفلسطيني بالنسبة له ، ليس من أولويات سياسته الخارجية ، لذا من المتوقع أن يتم التعامل مع ملف القضية الفلسطينية بكل برود سياسي حيث لا يوجد أمل كبير بالوصول لحل نهائي في ظل الانقسام الفلسطيني و في ظل سيطرة حزب اليمين الإسرائيلي بقيادة نتانياهو على الحكم .

من المتوقع أيضا ألا يؤيد بايدن سياسة الاستيطان الإسرائيلية أو أية خطة لضم أراضي الضفة الغربية للمستوطنات الإسرائيلية، حيث سيتبع بايدن في هذا الجانب سياسة الاتحاد الأوروبي وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة برفض سياسة الاستيطان الإسرائيلية.

هناك أيضا احتمالات كبيرة بأن تنخرط إدارة بايدن في مناقشات جدية مع السلطة الفلسطينية من أجل محاولة إعادة فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن، الذي تم اغلاقه خلال فترة حكم ترامب، ومن المتوقع أيضا أن تحاول إدارة بايدن تقديم مساعدات أمنية وإنسانية للسلطة الفلسطينية للحيلولة من انهيارها.

أما بالنسبة لسياسة بايدن مع إسرائيل، سيلتزم بالطبع بايدن بقواعد السياسة الخارجية الأمريكية، التي تعتبر إسرائيل حليفاً استراتيجياً هاماً للولايات المتحدة الأمريكية، لا يمكن الاستغناء عنه، بل من المرجح أن يتم العمل على زيادة التعاون الأمني بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، خاصة في ملف مكافحة الإرهاب والملف النووي الإيراني، بغض النظر عن بعض الاختلافات في وجهات النظر بين الديمقراطيين والإسرائيليين فيما يتعلق حول مدى جدوى العقوبات الأمريكية على إيران.

ثانياً) العلاقات الأمريكية -الخليجية

من المعروف أنه هناك عدة خلافات بين الديمقراطيين والجمهوريين أثناء فترة حكم ترامب، حول صفقات بيع الأسلحة الأمريكية للسعودية في ظل استمرار الحرب في اليمن، وقد أبلغ بايدن مجلس العلاقات الخارجية حرفيا: “سوف أنهي دعم الولايات المتحدة لهذه الحرب المأساوية، التي تقودها السعودية في اليمن، وأطلب إعادة تقييم علاقتنا مع المملكة العربية السعودية”.

لذلك من المتوقع أن تشهد العلاقات الأمريكية -السعودية تراجعا، وإعادة تقييم من قبل بايدن، للوصول إلى حل ينهي الحرب في اليمن، ويضمن للديمقراطيين قيام السعودية بخطوات سياسية تتجه نحو مزيد من حقوق الانسان، ودعم حرية الرأي، والتعبير في المملكة السعودية، مع العمل على مطالبة السعودية في المشاركة بإعادة إعمار اليمن.

لذا أعتقد أن من أهم معالم السياسة الأمريكية المقبلة مع السعودية ودول الخليج الأخرى في ظل حكم بايدن، هو ملف حقوق الانسان، وملف الحرب في اليمن. أما على صعيد آخر، ستقوم إدارة بايدن بتشجيع السعودية وباقي دول الخليج العربي للتطبيع مع إسرائيل بشكل مباشر، حيث تشجع المدرسة الليبرالية التي ينتمي إليها الديمقراطيون سياسة التعاون الدولي، والسلام بين جميع دول العالم، لذا من المتوقع جدا أن يبارك بايدن أي اتفاق سلام جديد بين العرب وإسرائيل.

ثالثاً) الملف النووي الإيراني

انتقد بايدن عدة مرات الرئيس الأمريكي ترامب، طريقة تعامله مع الملف الإيراني ، لذا يبدوا أن بايدن سيحاول العمل على عودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى قائمة المشاركين في خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن البرنامج النووي الإيراني ، حيث لا يرغب بايدن أن تنفصل الولايات المتحدة الأمريكية عن المجموعة الدولية بزعامة الاتحاد الأوروبي، و التي تحاول الضغط على إيران لوقف برنامجها النووي عبر استعمال ورقة المفاوضات و الدبلوماسية الدولية، بدلا من فرض عقوبات كبيرة على الحكومة الإيرانية ، و بذلك لن تتحمل الولايات المتحدة الأمريكية وحدها عواقب و نتائج السياسة الفردية الأمريكية التي تبناها ترامب بالسابق ، من حيث فرض عقوبات كبيرة على إيران .

لذا سيتم إلقاء الكرة في ملعب الساحة الدولية، وساحة الأمم المتحدة، مع التأكيد على رفض الولايات المتحدة الأمريكية مبدأ امتلاك إيران لأي سلاح نووي.

ومن الواضح جدا، أنه سيكون هناك جدلاً كبيراً بين إدارة بايدن، وكل من إسرائيل ودول الخليج العربي، حيث لا تُحبذ تلك الدول سياسة رفع العقوبات الأمريكية عن إيران، بل تؤيد التوجه لمزيد من فرض العقوبات الاقتصادية على الحكومة الإيرانية لردعها من امتلاك أي سلاح نووي بالمستقبل، أو محاولة تدخلها في الشؤون الداخلية لدول الشرق الأوسط.

رابعاً) الملف السوري

مع احتفاظ نظام الأسد بحكمه في سوريا على الرغم من الحرب الأهلية الدائرة بسوريا ، و الانتقادات الدولية الحادة ضد نظام الأسد ، لكنني أعتقد أن إدارة بايدن ستتجه نحو محاولة عقد مفاوضات مع نظام الأسد من أجل انهاء الصراع في سوريا ، و الوصول لحل وسط يضمن عودة الاستقرار في سوريا دون سفك مزيد من الدماء ، وذلك لإتاحة الفرصة لعودة اللاجئين السوريين إلي أراضيهم ، لكن في نفس الوقت لن يقحم بايدن الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر في تلك المفاوضات، حيث من المرجح أن تخوض الولايات المتحدة الأمريكية المفاوضات مع سوريا كعضو دولي ضمن مجموعة دولية تحاول الضغط على نظام الأسد و ذلك في إطار أممي و أوروبي ، و ليس كدولة مستقلة تلعب دور رئيس في المفاوضات ، و من الواضح أن بايدن ليس لديه الرغبة بإقحام بلاده في أية تعقيدات سياسية أو أمنية ، قد تكون الولايات المتحدة الأمريكية في غنى عنها.

خامساً) العلاقات الأمريكية التركية

خلال شهر ديسمبر، 2020، أعلنت إدارة ترامب فرض عقوبات على الوكالة الحكومية التركية المكلفة بشراء الأسلحة بسبب حيازة أنقرة منظومة الدفاع الجوي الروسية من طراز "إس-400". لذا أستبعد أن يقوم بايدن برفع العقوبات عن تركيا، بل ربما تكون سياسة بايدن مع تركيا أكثر حدة من سياسة ترامب، حيث أثناء الحملة الانتخابية لبايدن، وصف بايدن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بـ "المستبد"، وتوعده بالتدخل في شؤون تركيا الداخلية والمحلية، من خلال دعم أحزاب المعارضة، في خطوةٍ لتغيير تيار التطورات السياسية، التي كان يسير عليه ترامب.

لذا من المتوقع أن يقوم بايدن بتوفير دعم كبير للمعارضة التركية من أجل الضغط على الرئيس التركي أردوغان، ومن أجل ربما محاولة تغيير نظام الحكم في تركيا، ربما عبر انقلابات جديدة أو ثورة جماهيرية تقودها المعارضة، بدعم أمريكي غير مباشر.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد