تمُرُ علينا الذِّكرَى السَّنَويَّةُ الثّالِثَةُ وَالأربَعِينَ لِليَومِ العالميُّ لِلتضامُنِ مع الشعبِ الفلسطينيِ، وهو مُناسبةٌ تبنتهَا الأُممُ المُتحِدةُ في 29 نُوفمبِرَ 1977م، وتدُورُ فعالياتُها في مقرِ المُنظمةِ الدوليةِ في "نيُويُورك" كما في مكاتِبِها في "جِنِيف وفييِنا" ، ويتِمُّ إحياءُ اليومِ في 29 نُوفمبِرَ من كُلِّ عامٍ لِلتذكِيرِ بِالقرَارِ 181 الخاصِ بفلسطِينَ ، والذِي جرى اتِخاذُهُ في نفسِ التاريخِ من العامِ 1947 م ، ويقضي بِتقسيمِ فلسطينَ إلى دولتينِ ، عربيةٍ و "يهوديةٍ "، وعمِلَت " الحركةُ الصهيونيةُ " مُنذُ نشأتِهَا على تشريدِ الفلسطِينِيِينَ لإِقامةِ الدولةِ "اليهوديةِ" المزعومة، والاستِفرادِ بِالشعبِ الفلسطينيِ ضِمنَ مَشروعِ تصفيةِ القضيةِ من خِلالِ الضَغطِ على الشعبِ الفلسطينيِ والعربيِ وإِجبارِهِ على الرُّضوخِ والِاستِسلامِ.

وبِمُناسبةِ يومِ التضامُنِ ثَمَّةَ أسئلةٌ تطرَحُ فِي هذا اليومِ، وفي مُقدِمتِهَا، أليست مُنظّماتُ الأممِ المُتحِدَةِ ذاتُها تُكرِسُ الاحتلال وتنحازُ لهُ؟

أستذِكرُ هُنا موقفَ رسامِ الكارِيكاتِيرِ الفلسطينيِّ ناجي العلي، مُعلِقًا على قرارِ الجمعيةِ العامةِ لِلأُممِ المُتحِدَةِ بِرسمِهِ السّاخِرِ من ذاك القرارِ " 365 – 1 = 364 يومًا لِلتَّآمُرِ على الشعبِ الفلسطينيِّ "، في إشارةٍ إلى استِثناءِ هذا اليومَ لِأسبابٍ قد تُظْهِرُها بِأنها مُهتمةٌ بِالقضيةِ الفلسطينيةِ أو حسب ما تُطلِقُ عليهُ " التضامُنُ "، وهنا نوَجِّهُ سُؤَالًا لِلأُممِ المُتحِدَةِ والمجتمَعِ الدَّوليِّ، هل التضامُنُ بِالِانحيازِ للاحتلالِ ودعمِهِ؟ أم بِغَضِّ النَّظَرِ على جرائِمِهِ بحقِ الفلسطينيينَ؟

مُمارساتُ الِاحتلالِ التعَسُّفِيةِ تحدَثُ على مُسمَعٍ ومرأًى من جميعِ دولِ العالمِ الصامِتِ عليها، بدءًا من الأمينِ العامِ لِلأُممِ المُتحِدَةِ وكافةِ مُؤسساتِهَا، ومجلِسِ الأمنِ الذِي بِشكلٍ فِعلي لم يتحرَك إزاءَ ما يحدُثُ من جرائِمَ بحقِ الشعبِ الفلسطينيِ.

يأتي هَذا اليومَ في وقتٍ تبتعدُ فيه فُرصُ ما يُسَمَّى بِـ " السلامِ " مع الاحتلالِ " الإسرائيليِ "، وأيِّ " سَلامٍ " مع مُحتلٍّ ؟ ، وتغافُلِ المُجتمعُ الدَّوليُّ لِجرائِمِ الاحتلالِ على الهويةِ والمُقدساتِ، الذي تخطى كُلَّ الخُطوطِ من خِلالِ قتلِ الأبرياءِ ومُصادرةِ الأراضِي ، وبناءِ المُستوطناتِ والاعتِداءِ على المُقدساتِ الفلسطينيةِ وعلى رأْسِها المسجِدُ الأقصى الذي يتعرَضُ في هذه الأيامِ لِحملَةٍ صهيونيةٍ غيرِ مَسبُوقَةٍ عبرَ الاقتِحاماتِ المُتكرِرةِ، والاعتِداءاتِ المُتَتاليَةِ عَلَى المُصلِينَ من الرّجالِ والنِساءِ، ومنعِهِم من الدُّخولِ إليهُ في الوقتِ الذي يفتحُ على مِصرَاعَيه أمام الصهاينةِ المُتطرِفِينَ.

فالمُجتمعُ الدَّوليُّ شريك لـِ "إسرائيل" في تكريسِهِ ومشاريعِ الاستيطانِ والتهويدِ على أرضِ فلسطينَ، وهو مُنحازٌ لهُ، ولا أتوقعُ أنهُ سيُنصرُ القضيةَ الفلسطينيةَ، خاصةً مَصالِحَهُ مُرتبِطَةً بهذا الاحتلالِ، كما نَعرِفُ جميعًا أن الفِيتُو الأمريكيَّ جاهِزٌ ضِدَّ أَيِّ قرارٍ يُؤَيِّدُ القضيةَ الفلسطينيةَ، لذلك لا ننتظِرُ أن يتضامَنَ معنا إلا في الشجبِ والاستنكارِ في بعضِ الأوقاتِ لإظهارِهِ أنهُ يُراعي المصلحةَ الفلسطينيةَ، لكن في الباطِنِ يُؤَيِّدُ هذه الإجراءاتِ ويدعمُها.

إذن في هذا اليومِ تتجدَدُ فِيه الذِكرَياتِ المَأساويةِ والظُّلمِ الذي تَعرَضَ لهُ شعبُ فلسطينَ نتيجةَ قرارِ التقسيمِ الجائِرِ، حيثُ تحولَ هذا الشعبُ إلى مجموعاتٍ من اللاجئينَ المُوَزِعِينَ في شتى بِقاعِ الأرضِ، كما أن اليومَ مُناسبةٌ لِتَذكِيرِ المُجتمعِ الدَّوليِّ بِحقيقةِ أن قضيةَ فلسطينَ لم تُحَلَّ بعدُ، وأن الشعبَ الفلسطينيَّ لم يَحصُل بعدُ على حُقوقِهِ غيرِ القابِلَةِ لِلتصرُّفِ، وَتَذكيرِهِ بحقِ شَعبِنا في مُقاومَةِ الاحتلالِ بِكافةِ الأشكالِ وفقًا لِلقوانِينِ الدَّوليَّةِ.

لا نُنكِرُ أن هُناكَ تعاطُفٌ دَوليٌّ بارِزٌ مع القضيةِ الفلسطينيةِ في العديدِ من دولِ العالَمِ ، ولا بُدَّ من اقتِناصِ الفُرصَةِ والبِناءِ على ردِ الفعلِ المُناهضةِ للاحتلالِ ليس فقط في يومِ التضامُنِ ، أَقَلُّها فضحُ جَرائِمِ الاحتلالِ والمُجتمعِ الدَّوليِّ بحقِ الشعبِ الفلسطينيِّ ، ويجبُ إعادةُ الِاعتبارِ لِلقضيةِ الفلسطينيةِ كقضيةٍ مركزيةٍ في وِجدَانِ أُمتِنا العربيةِ وكناظِمٍ لِلنِضالِ العربيِّ ، لِلحُصُولِ على حُقوقِنا ، ولا بُدَّ من أن يتبنى العالَمُ مواقِفَ عمليةٍ واضحةً تُؤَكِّدُ وُجوبَ تَنفيذِ حُقوقِ الشعبِ الفلسطينيِ الثابتةِ والتاريخيةِ مثل حقِ اللاجئينَ بِالعودةِ وإقامةِ دولةٍ فلسطينيةٍ مُستقلةٍ وعاصِمتُهَا القُدسُ .

لا أحدَ يملِكُ حقَ التنازُلِ عن شِبرٍ من الأراضِي الفلسطينيةِ المُحتلةِ، ولا يملِكُ أحدَ التنازُلِ عن أولَى القِبلَتينِ وثالِثِ الحرمينِ الشَّرِيفينِ، ولن يجرُؤَ أحدُ التفريطِ بِمُقدساتِنا الإِسلاميةِ والمسِيحِيةِ، أو بِدِماءِ الشُّهَداءِ الذين روت دِمَائُهُم كُلَّ بُقعَةٍ من ثَرَى فلسطينَ، وليُدرِكَ الجميعُ بِأن أيةَ حُلولٍ لِلقضيةِ الفلسطينيةِ لا تُمكِنُ الشعبَ الفلسطينيَّ من حُقوقِهِ الكامِلَةِ سَتكُونُ مَرفوضَةً ولا يَملِكُ أحد حقِ التنازُلِ عنها.

يجبُ علينا نحنُ الفلسطينِيُّونَ ألا نُراهِنَ على قراراتِ المُجتمعِ الدَّوليِّ لِأنهُ الداعِمُ الأكبرُ لِلاحتلالِ، وعلينا تَحقيقُ الوحدةِ الوطنيةِ، وإنهاءُ سنوَاتٍ من الشّتاتِ الفلسطينيِّ والتمسُّكِ والتجذُّرِ بِالأرضِ، والتفرُّغِ لِقضيتِنا بِشَكلٍ أكبرَ، ومواجِهَةِ المشارِيعِ الِاستيطانيةِ، وتصعيدِ الاحتلالِ وعُدوانِهِ، وَالتَّصدِي لِمُحاولةِ شَطبِ القضيةِ الفلسطينيةِ.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد