الحصار والاحتلال وتوقف الدعم الأجنبي سبب خسائر المزارعين الفادحة

غزة / سوا / تحظى الزهور منذ غرسها حتى تفوح بعطرها بعناية شديدة من قبل مزارعي غزة الخاسرين دائماً، حتى قرر الكثير منهم عدم زراعتها جراء استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع الساحلي المكتظ بالسكان من ناحية، وتوقف الدعم الهولندي لقطاع الزهور من ناحية ثانية.

وليست الزهور وحدها المهددة بالاختفاء عن أرض غزة، فهناك الفراولة (التوت الأرضي) الذي باتت تكاليف زراعته أكبر من ثمن بيعه في أسواق غزة المحلية في ظل حظر تصديرها هذا العام وتكبد مزارعيها والخزان الجوفي للمياه خسائر فادحة.


ويستهلك الدونم الواحد من الزهور 1300 كوب مياه، فيما يستهلك الدونم الواحد من الفراولة 1200 كوب، ومقارنة مع الخضروات فإن الدونم الواحد يستهلك 800 كوب من المياه العذبة فقط"، بحسب مختص في شأن المياه.

وسيطرت السلطات الإسرائيلية على ربع أراضي غزة البالغ مساحتها 360 كيلو متراً مربعاً إبان احتلالها المباشر للقطاع الساحلي الذي استمر لنحو أربعة عقود من الزمن، وكان المستوطنون اليهود يستهلكون الكثير من المياه في ري مزارعهم المقامة على تلك الأرضي.

وتسير أوضاع المياه في قطاع غزة "من سيء إلى أسوأ وهنا تكمن الكارثة"، بحسب ما قال مسؤولون في اليوم العالمي للمياه في الثاني والعشرين من آذار الماضي.


وكان القطاع يزرع قبل الإغلاق الإسرائيلي للمعابر وفرض العقبات أمام صادرات القطاع، ما مساحته 2500 دونم فراولة، تنتج 7000 طن، يتم تصدير 1500 طن منها سنوياً إلى أوروبا, بالإضافة إلى 500 طن إلى (إسرائيل)، والبقية يسوق في الضفة الغربية ويستهلك محلياً.

وفي جنوب قطاع غزة حيث ازدهرت زراعة الزهور خلال العقدين الماضيين قدم المزارعون خلال السنوات الماضية زهورهم كطعام للماشية والدواب في خطوة رمزية للتعبير عن مأساتهم بفعل الحصار الإسرائيلي الذي لا ينتهي.


أما في شمال قطاع غزة الذي يشتهر بزراعة الفراولة، فإن المزارعين تكبدوا أكبر الخسائر هذا العام بعدما أوقف المانحون دعمهم ومنعت إسرائيل تصدير محصولهم ذي اللون الأحمر والأخضر للعالم الخارجي.

مزروعات خاسرة

ويقول المزارع زكريا حجازي وهو يقف قرب بيت بلاستيكي يمتلكه في رفح وكان يعج بالزهور: "ان تختفى زهور قطاع غزة وتخلو أراضيها من زراعتها كابوس لم يراودني في منامي..".

يضيف الرجل الذي يعيل أسرة مكونة من سبعة افراد وتعتمد على هذه الزراعة في مواجهة تكاليف الحياة الباهظة لـ"افاق البيئة والتنمية": "الحصار دمرنا.. والمزارعون وأنا واحد منهم توقفنا عن زراعة الزهور بعدما أصبحت طعاماً للدواب والماشية ومنع تصديرها وتخلي الممول عنا".

وحجازي هو أحد كبار مزارعي الورود في جنوب قطاع غزة ويعمل في مجال زراعة الزهور منذ أكثر من 12 عاما.


وزراعة الزهور وقطفها تستغرق 11 شهراً، تبدأ في شهر حزيران، وتستمر العناية بالمحصول حتى بداية شهر كانون أول، وتشتهر مناطق شمال غرب مدينة رفح المتاخمة للحدود مع مصر بزراعتها.

ويلفت حجازي الانتباه إلى أن زراعة دونم الزهور يكلف من 8-10 آلاف دولار، ما يعني أن عدم تصديرها ألحق الخسارة به كون ثقافة الورود غير شائعة بشكل كبير في غزة، منوهاً إلى أن المزارعين قدموا الزهور في بعض السنوات علفاً للحيوانات بسبب عدم التصدير.


وحجازي وعائلته كانوا يزرعون نحو 60 دونما بالزهور تنتج 6 مليون زهرة.

وتعد زراعة الزهور في قطاع غزة، بحسب وزارة الزراعة الفلسطينية من القطاعات الانتاجية الهامة منذ سنوات عديدة، إلا انها واجهت في السنوات الأخيرة العديد من التحديات بفعل الحصار وإغلاق المعابر، وقد أعلن مزارعو الزهور هذا العام عن توقف زراعته بسبب الإغلاق المتكرر لمعبر كرم أبو سالم، وتوقف دعم المشروع الهولندي لزراعته.

ويعزو حجازي القرار الى توقف دعم الحكومة الهولندية لقطاع زراعة الزهور في غزة إضافة الى اغلاق المعابر من قبل الاحتلال الإسرائيلي بشكل مستمر مما يعيق تصدير الزهور للأسواق الأوروبية بشكل منتظم.

سياسة مرفوضة

ويرفض م. نزار الوحيدي مدير الإدارة العامة للتربة والري في وزارة الزراعة السياسة التي يعمل بها في إنتاج الفراولة والورود، ويقول: "معروف أن الفراولة والورود تستهلكان كميات كبيرة من المياه العذبة وهذا أمر مرفوض، فلا يعقل أن تكون الثمرة أرخص من الكميات التي تنتج بها من المياه العذبة".

يقول ان :" زراعة الفراولة " التوت الارضي" والزهور " هو مخطط لسلب المياه".

ويشير الى ان هذه المزروعات أقرت بناء على مخطط اسرائيلي لخدمة مصالحه سواء في سد العجز الداخلى او التصدير للخارج، لافتاً الى انه مع زيادة المزروعات وتصديرها للدول الاوروبية عمل على "قتل المزارع الفلسطيني" بتشديد الحصار وإغلاق المعابر ومنع التصدير وبقوة وافشل أي مشروع من شأنه ان ينهض بالاقتصاد الفلسطيني عبر اختيار مزروعات مقاومة للاحتلال وتعزز الصمود.


ويقر بأن القطاع يصدر مياه عذبة للخارج ويقول: "نحن نصدر مياهنا العذبة إلى الخارج وليس فراولة، فكل حبة فراولة تحتاج إلى 12.5 لتر مياه عذبة قبل القطف، وليس من المنطق أن نعاني من أزمة مياه ونبيعها بنفس الوقت بسعر بخس (...) المستفيد الاول من ذلك هو الاحتلال الإسرائيلي".

وعمد الاحتلال الاسرائيلي (منذ فترة ما يسمى الإدارة المدنية) الى استغلال المياه العذبة رغم محدوديتها في قطاع غزة عبر وضع سياسة زراعية تقوم على سرقة هذه المياه، وتقديم تسهيلات مزعومة للمزارعين بهدف تحفيزهم على زراعة كل ما من شأنه سرقة المياه، الأمر الذي يتطلب ضرورة تحديد الأولوية في زراعة المحاصيل الزراعية التي تستهلك المياه بكميات كبيرة في ظل وجود محاصيل غير ذات جدوى اقتصادية للمواطن أو للبلد.

ويشير الوحيدي الى انه يتم قياس سعر المتر المكعب من المياه بقيمة التشغيل والصيانة، ولكن القيمة الحقيقية للمياه أكبر من هذا بكثير لأن هناك ندرة في المياه، مضيفا: "نحن أمام معادلة مزعجة، إما أن نوفر المياه للشرب، أو نوفر الطعام للناس، والمفاضلة بينهما صعبة، لذلك تتبع وزارة الزراعة الإدارة المستدامة في الموارد في ظل عدم انقطاع الغذاء، لأن قضية "الأمن الغذائي" باتت قضية سياسية يستغلها الاحتلال لممارسة التجويع، ومنع المنتجات والتصدير والاستيراد".

اقرار بالموافقة

ويقر بموافقته على توقف المشروع الهولندي الداعم لمزارعي الورود والفراولة لأن الخسائر العائدة منه على صعيد الخزان الجوفي والتحكم الاسرائيلي في التصدير كانت اكبر بكثير من أي عائد مادي.

ويؤكد أن وزارته تعمل حالياً على السيطرة على هذه الممارسات التي تجري منذ سنوات عديدة، لافتاً النظر إلى أن حصر وتقليص مساحات زراعة الفراولة والورود اليوم، ساهما في توفير مياه عذبة صالحة للشرب.

ويشدد الوحيدي على أن المياه العذبة في قطاع غزة، أصبحت موردًا نادرًا وشحيحًا من حيث الجودة، مشيراً إلى أنه يتم تعويض العجز من مياه البحر المالحة سيئة الجودة ما يؤدي إلى تملح معظم مناطق غزة وخاصة المناطق التي يتجاوز فيها الضخ معدل التعويض.


ويضيف: "لذلك قضية وقف الزراعة من أجل حفظ المياه للشرب, أمر مستحيل, أو أن نستخدم مياه الشرب بصورة مفرطة لإنتاج محاصيل يمكن أن لا يسمح بتصديرها هذه مشكلة (...) ان خطة وزارة الزراعة الزراعية تقوم على أساس حماية الموارد الطبيعية من الاستنفاد وإنتاج ما يلزم، لا إنتاج ما يمكن إنتاجه، وتهدف إلى استدامة الموارد وإنتاج الغذاء، وفك الارتباط مع الاقتصاد الإسرائيلي".


ويلفت الوحيدي النظر إلى أن وزارته عملت على تخفيض نسبة استهلاك المياه العذبة لغرض ري المحاصيل الزراعية إلى 82 مليون كوب سنوياً، بعد أن كان الاستهلاك يقدر بـ90 مليون كوب.

ويؤكد أن تصدير الفراولة والزهور بات غير مجدٍ بالنسبة للمزارعين، ما جعل الوزارة تتبع سياسة جديدة على أساس إحلال الواردات، بتقليص مساحات محاصيل التصدير، وزيادة مساحات محاصيل أخرى كانت غزة تستوردها من إسرائيل مثل البطيخ والشمام حتى بات يتوفر لغزة اكتفاء ذاتي منها.

وعن استهلاك الورود والفراولة للمياه العذبة، قال: "كان لدينا في الماضي مساحات كبيرة من الورود والفراولة وتستهلك كميات كبيرة من المياه العذبة، ولكن اليوم المساحات تقلصت بسبب صعوبة التصدير ما قلل استهلاك المياه العذبة من المخزون الجوفي"، مشيراً إلى أن تقليص المساحات المزروعة أدى إلى ارتفاع أسعار هذه المنتجات وبالتالي تعويض المزارع خسارته.


وتباع زهرة الجوري والقرنفل بنحو دولارين أمريكيين في محلات لا تتعدى عدد أصابع اليد الواحدة، تحتضنها منطقة الرمال الراقية وسط غزة، ويشتكى صاحب محل لبيع الزهور بينما كان يجهز طلبات زبائنه وأغلبهم من الطلبة الجامعيين، من تأثير الركود الاقتصادي وأزمة رواتب الموظفين الحكوميين في الإقبال على الزهور.

وتصل مساحة الزهور في قطاع غزة قبل اغلاق المعابر وفرض الحصار (600 دونم) تعطي إنتاج (60) مليون زهرة، يصدّر منها (50 مليون) الى اوروبا و(10) إلى (إسرائيل).

وكانت وزارة الزراعة اعلنت العام الماضي عن توقف زراعة الزهور، تفاديًا للخسائر الاقتصادية المتوقعة، وقالت الوزارة في بيان صحفي: "إنّ المزارعين في قطاع غزة، أحجمّوا هذا العام عن زراعة الزهور، لغياب دعم الحكومة الهولندية، ومؤسسات أوروبية أخرى لمزارعي الزهور". وأضافت الوزارة "إن الحكومة الهولندية كانت تدعم مزارعي الزهور، بمبلغ 3 آلاف دولار لكل ألف متر مربع، غير أنها قلّصت هذا العام الدعم، ليصبح 700 دولار لكل ألف متر ما أدى إلى انتقال المزارعين لزراعة محاصيل تقليدية لبيعها في الأسواق المحلية".
ففي بلدة بيت لاهيا التي تقع في شمال قطاع غزة، ذات الكثافة السكانية المتوسطة مقارنة بمساحة أراضيها البالغة (24062 دونم معظمها رملية) تصل مساحة زراعة الفراولة فيها نحو 20% من نسبة الأراضي.

وفاجأ المزارع أيمن صبح (54عاماً) محدثه عن زراعة الفراولة ومكاسبها قائلاً: "خذ كل المحصول وأعطني خسائري فقط عن هذا العام..".

والفراولة تعج بأسواق قطاع غزة في هذه الأيام ووصل سعر الكيلو الواحد نصف دولار أمريكي.


وكان إلى جوار صبح الذي يزرع خمسة دونمات بالفراولة سنوياً نجله أحمد الذي فقد ساقه اليسرى نتيجة سقوط جدار أسمنتي عليه أثناء العمل بالزراعة وظل يردد: "نحن نزرع ونروي الأرض بالماء والعرق، والاحتلال يمنعنا من التصدير دائماً، ويرسل صواريخه ودباباته أيضاً لتدمير زراعتنا وممتلكاتنا".

بينما أقسم المزارع أحمد العطار (60عاماً) بأنه لن يعود لزراعة الفراولة في ظل استمرار الحصار ومنع التصدير وظل يردد "خسرنا فلوسنا وبئر الماء الذي نروي منه قارب على النفاذ، والنتيجة مزيد من الخسائر".

وأضاف بكلمات عامية متأسياً على الواقع المرير: "المزارع وين ما كان مرفّه إلا هنا في غزة.. المزارع ماكل هوا!!".


وبدأت زراعة الفراولة في قطاع غزة، بمساحة تجريبية تقدر بدونم ونصف، وبعد أن حققت نجاحاً ملحوظاً، أخذت بالاتساع تدريجياً حتى وصلت 2500 دونم في عام 2005، وبسبب الحصار أيضاً تقلصت المساحات المزروعة بالفراولة لتصل إلى 950 دونمًا فقط في العام الماضي.

حرب بيئية

ومن جانب آخر، تطرق الوحيدي إلى المخاطر المحدقة بالفلسطينيين في حال نفاد المياه الصالحة للشرب، وقال: "أعتقد أن أحد أهم الوسائل الإسرائيلية لترحيل الفلسطينيين من أرضهم هي الحرب البيئية، وأجزم أن هناك محاولة لتفريغ غزة من أهلها بالضغط على موارد المياه لاستنفاذها تمامًا, للخروج منها طائعين بدون حروب".

وأضاف: "المياه العذبة في غزة لها نهاية، وأدوات الحل كثيرة, والذي يحارب من أجل عدم إدخال أي مرافق أو أدوات لبنية تحتية لإدارة المياه في غزة، هو يحارب ضد الوجود الفلسطيني في فلسطين".

وبيّن أن أدوات الحل تكمن في إعادة تأهيل شبكة المياه العذبة وشبكة مياه الصرف الصحي، وإدخال محطات تحلية المياه لأغراض الري وتحلية مياه البحر، مشيراً إلى أن هناك محطات متوفرة في غزة، ولكنها لا تتناسب مع حجم المشكلة.
بدوره قال غسان قاسم رئيس جمعية بيت حانون الزراعية للزهور ان توقف زراعة الزهور لهذا العام، جاء بعد توقف المشروع الهولندي الذي انطلق في العام 2006.

ونبّه أن قطاع غزة منذ عام 1994 حتى عام 2004 كان يصدّر حوالي 50 مليون زهرة سنوياً، والمساحة المزروعة نحو 1000 دونم، ومنذ عام 2006 تقلصت زراعة الزهور وتراجعت مساحتها إلى 120 دونما الى ان توقفت.

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد