جوال

الأردن بين عاصفتين

اشرف أبو خصيوان

اشرف أبو خصيوان

تضع عموم التخمينات المملكة الأردنية الهاشمية وملكها عبد الله الثاني، أمام تحديات جسام، خاصةً إذا ما نفذ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعوده بضم أجزاء من الضفة الغربية وغور الأردن لدولة إسرائيل.

الأمر لن يتوقف عند الإدانة وطرد السفير الإسرائيلي من عمان، بل ربما تواجه الأردن عاصفة من الاحتجاجات والمظاهرات ضد القرار الإسرائيلي، وهو ما يضع معاهدة وادي عربة التي وقعها الأردن مع إسرائيل في العام 1994 على المحك، ويقع تحت طائلة التهديد بالإلغاء والتنصل منه.

تهدد العاصفة الأولى عرش المملكة الأردنية من خطر عدم الاستقرار في عمان، وهو ما لن يسمح به الملك الأردني. فالاستقرار في شوارع عمان أهم بكثير من بقاء اتفاق سلام بين عمان وتل ابيب قائماً على حساب ضم الضفة الغربية وغور الأردن. التصور الإسرائيلي الجديد لضم أراضي الضفة الغربية ومستوطناتها وغور الأردن، لا يرقى للملك الأردني، فهو ليس قلقاً فقط بل ينظر لهذا التصور بأنه الخطر الاستراتيجي الذي يُهدد عرش المملكة الأردنية، خاصةً في ظل التوتر الذي تعيشه الأردن مع إسرائيل على خلفيات متعددة منها الانتهاكات في مدينة القدس والحفريات أسفل المسجد الأقصى، والتعديات على السيادة الأردنية على المسجد الأقصى. إن الكُره الأردني للسياسات الإسرائيلية ناتجة عن خُروقات إسرائيلية ممتدة على الأراضي الأردنية أيضا، والتي كان اخرها مقتل أردنيين في يوليو تموز 2017 عندما أطلق حارس السفارة الإسرائيلية النار على أردنيين في عمان.

العلاقة المتناقضة في سياسات إسرائيل تجاه الأردن بالتحديد، تهدف إلى مفاضلة مصالح إسرائيل السياسية والأمنية والاستراتيجية، على حساب مصالح استقرار نظام الحكم في عمان، لذا تتشعب العلاقة التناقضية وربما تصل في ذروتها إلى وقف العلاقات الدبلوماسية. ولكن حاجة الأردن إلى تواصل دائم مع الاحتلال الإسرائيلي للحفاظ على مكانتها في القدس كراعي للمدينة المقدسة، تجعل من سياساتها متوازنة ومتصالحة مع حجم الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة بحق المدينة المقدسة والمسجد الأقصى.

صُناع السياسة في عمان، مُنشغلون الآن بوضع الخطط المناسبة للتعامل مع إسرائيل في حال تمت عملية الضم، وكيفية الحفاظ على توازن العلاقات العربية والأوروبية والأمريكية، والحفاظ على الاقتصاد الأردني من الانهيار أو التعرض لانتكاسات في حال أوقفت الولايات المتحدة الأمريكية المساعدات التي تقدمها للأردن، كرد على موقف الأردن ازاء عملية الضم وقف العمل باتفاق وادي عربة.

تُدرك عمان جيداً أنها تواجه عاصفة ثانية إذا ما نفذت إسرائيل بشكل واقعي ضم الأراضي الفلسطينية، فهي لا تُراهن على العرب في منع إسرائيل من ضم الضفة الغربية وغور الأردن. الدول العربية منشغلة في قمع ثوراتها الداخلية وإدارة وصراعاتها الإقليمية. ولا وقت لديهم لتبني القضية الفلسطينية ودعم الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مواجهة صفقة القرن أولاً ومن ثم قرارات الضم ثانياً. فغياب العُمق العربي يجعل من الأردن وحيداً في مواجهة مصيره رفقة الفلسطينيين، في المحاولة الجادة لمنع الضم، لأن الجميع يُدرك أنه إذا ما حدث الضم فلا قدرة على الرجوع للخلف، وهذا بحذ ذاته الحكم النهائي على أنه لا دولة فلسطينية وفقاً لحل الدولتين.

رسم الملك الأردني مؤخراً في حديث للصحافة الألمانية على وجه التحديد، خطوطاً حمراء وربما تكون بمثابة خطاب تحذيري عبر وسيلة اعلام أوروبية حول فكرة الضم وحجم التهديدات المصاحبة لعملية الضم سواء على الصعيد الفلسطيني أو الإسرائيلي أو الأردني. ولكن خيارات الأردن الواهنة في منع إسرائيل من ضم غور الأردن تحديداً، مرهونة بالموقف الفلسطيني الذي ينتظر دوراً دبلوماسياً كبيراً من الأردن من خلال فتح قنوات اتصال جادة مع دول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين للضغط على إسرائيل والولايات المتحدة في عدم تنفيذ قرارات الضم.

معركة جديدة فرضتها الإدارة الامريكية في الشرق الأوسط، قد تُشعل برميل البارود في المنطقة، حيث أصبح من الصعب التماهي مع السياسة الامريكية في الشرق الأوسط وانحيازها الكامل لمصالح إسرائيل على حساب المصالح الفلسطينية التي أقرتها الشرعية الدولية.

في ابريل/ نيسان 2019، وجه الملك الأردني خطاباً ذكر فيه اللاءات الثلاث، "لا تنازل عن القدس ولا للوطن البديل ولا للتوطين". الحقيقة المرة أنه إذا قامت إسرائيل بضم الضفة الغربية وغور الأردن، قد يفتح الباب أمام الفلسطينيين للبحث عن الوطن البديل والتوطين، وبذلك تكون القدس تحت السيطرة الإسرائيلية، وقد يُصاحب ذلك طرد موظفي هيئة الأوقاف الإسلامية التي تتبع الأردن من القدس.

منحنى العلاقة الأردنية الإسرائيلية على مفترق طُرق، لا يرغب الطرفين في انهاء تلك العلاقة، ولكن اذا أثبت إسرائيل فرضيات الضم وجعلت منها أمراً واقعاً فإن الأردن سيكون الخاسر الأكبر من تلك الخطوة، التي ستنعكس بالسلب على استقرار مكون الحكم داخله، الا اذا استدرك الأمر بمواقف أكثر صرامة وتشدداً تجاه الموقف الإسرائيلي، ولكن الأردن يخشى الوقيعة به رهينة المعونات الأمريكية، وخُذلان الأشقاء العرب في تغيير موقفهم من ضم أراضي الضفة الغربية وغور الأردن.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية