جوال

المكارثية بثوب ديني

د. وليد القططي

د. وليد القططي

المكارثية مصطلح سياسي مُشتق من اسم السناتور الأمريكي الجمهوري (جوزيف مكارثي)، الذي كان الواجهة الأمامية لجماعة المحافظين في الحزب الجمهوري ذوي التوّجه الديني المتعصب الرافض للتجديد، وشغل مكارثي منصبه كعضو في الكونجرس في ذروة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي في عقد الخمسينيات من القرن العشرين، فصعد نجمه من خلال استغلاله لحالة الخوف الأمريكي من الشيوعية والنفوذ السوفيتي في أوج تمدده، فرّوج في خطابه السياسي لمزاعم وجود مئات الجواسيس الشيوعيين في المؤسسات الحكومية الأمريكية، بدون أدلة محددة وبراهين واضحة، فأثار هستيريا جماعية ضد الشيوعية، وتشكلت (لجنة الممارسات غير الأمريكية) في الكونجرس برئاسته لملاحقة المشتبه بهم بالشيوعية والتجسس، والعمل على تصفيتهم معنوياً وفعلياً بتشويههم وتحطيمهم وسجنهم وطردهم من وظائفهم ودفعهم للصمت والانزواء بالعزلة أو الهجرة، وتجنّدت أجهزة الدولة الأمنية والإعلامية لملاحقة المعارضين لا سيما المؤثرين منهم في الرأي العام، وكانت النتيجة حالة إرهاب فكري ضد المفكرين والمثقفين والفنانين الأحرار، وكاد وحش المكارثية يفتك بالمجتمع الأمريكي لولا شجاعة عدد من الشخصيات الحرة في مجال الإعلام والفكر والأدب، تحدوا الإرهاب الفكري وقهروا الخوف، فأسقطوا المكارثية الشريرة ورمزها القبيح (جوزيف مكارثي) فمات مذموماً مدحوراً ومدمناً مثبوراً عام 1957.

المكارثية اتجاه سياسي يتسم بالغوغائية والاستبداد، مضمونه اغتيال الخصوم السياسيين معنوياً (وربما جسدياً)، وتصفية المعارضين الفكريين وإقصائهم عن المشهد، واجتثاث المُخالفين لمنظومة الأفكار التسلطية المهيمنة. والمكارثية تعتمد على آليات ووسائل ميكافيلية غير أخلاقية لتحقيق أهدافها السياسية، منها القيام بحملات إعلامية لتشويه الخصوم والمعارضين والمخالفين، وكيل الاتهامات جُزافاً وبدون أدلة وبكثرة وفي كل الاتجاهات، وتجريدهم من إنسانيتهم وكرامتهم بطريقة همجية تحريضية تُثير الجمهور عليهم، والتشكيك في مبادئهم وقيمهم بأسلوب دنيء يُغري الناس بشتمهم والطعن فيهم، والاعتماد على تزوير المعلومات، وتزييف الحقائق، وصناعة الإشاعات؛ للتغطية على المعلومات الحقيقية، والحقائق الواقعية، والأخبار الصادقة، واستخدام كلمات الشتم والذم والقدح والسخرية، وتوظيف عبارات التسفيه والتحقير والتشنيع والإساءة، بدلاً من مقارعة الحجة بالحجة، ومواجهة الدليل بالدليل، ومقابلة البرهان بالبرهان.

والمكارثية تطبيق الشعار النازي (اكذب اكذب حتى يُصدقك الناس)، كي تتحوّل الأكاذيب والاتهامات والإشاعات إلى حقائق مُسلّمة غير قابلة للنقاش، وبديهيات مُصدّقة غير قابلة للجدال، واستخدام خطاب ديماغوجي لشيطنة الآخر وتكوين صورة ذهنية شريرة تنطبع في عقول الناس تجاه الشخصيات التي تفكر خارج الصندوق المُقدس لمنظومة التصلب الفكري، وصناعة قوالب نمطية جاهزة تُصوّر المخالفين كشخصيات هدّامة تهدد أمن الوطن وتهدم جوهر الدين، وتطبعهم بوصمة الخيانة أو الكفر أو الجهل أو الشر...، وزراعة الخوف في قلوب الناس باختراع أعداء وهميين للوطن والدين، وهذا كله بهدف إيجاد حالة من الإرهاب الفكري تقمع المعارضين وتغتالهم معنوياً، وتردع المؤيدين لهم من الجهر بآرائهم وإعلان أفكارهم، فلا يجرؤ أحد على الدفاع عنهم خوفاً ورعباً، فيؤثرون الصمت مع السلامة على الكلام مع الندامة.

وإذا ما وصل الإرهاب الفكري إلى هذه الدرجة من القسوة والوحشية يُصبح تفنيد التُهم الباطلة أشبه بالمستحيل، ودحض المزاعم الكاذبة شيء من المُحال، وتكذيب الافتراءات المزورة هو المستحيل بعينه والمُحال بنفسه... فيُصاب الناس بالرهاب الاجتماعي والعصاب النفسي والذهان العقلي، تدفع بعض أصحاب الآراء الحرة المخالفة لجوقة المكارثيين إلى التقوقع حول الذات كمداً، أو الانطلاق خارج الوطن هرباً. والخطورة تكون مُضاعفة عندما ترتدي المكارثية ثوب الدين فتضع مُخالفيها في دائرة الكفر والردة والفسق والزندقة، فحينئذٍ تصبح المكارثية بثوبها الديني أخطر أنواع الإرهاب الفكري وأكثرها بربرية في تحطيم المخالفين، ولذلك انتبه (جوزيف مكارثي) إلى هذا الأمر فاستخدم خطاباً دينياً مفاده أن الشيوعية دين هدفها هدم المسيحية والوطن، وأنَّ المشتبه بهم أعداء للدين والوطن يجب استئصالهم.

لم تقتصر المكارثية بثوبها الديني على أمريكا فقد أصبحت ظاهرة انتشرت في الكثير من البلدان والأديان، فالمكارثية بثوبها الديني من أخطر آليات القهر والتسلط، بما أوتيَ بعض المتدينين المتطرفين من غلظة وقسوة في قلوبهم، وجمود وتحجر في عقولهم، ووحشية وشراسة في سلوكهم، وفجور وفظاظة في خصومتهم...، وبما طوروه من أساليب المكارثية كشعار (اكذب اكذب حتى يصدقك الناس) أصبح بنسخته الجديدة (اكذب اكذب حتى تصدق نفسك)، ومفهوم (النخبة المختارة) في المكارثية القديمة التي يحق لها فرض رؤيتها الفكرية والسياسية، يتحوّل إلى عقيدة (الفرقة الناجية) التي يحق لها الحياة في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة، والشعور بالأفضلية في المكارثية القديمة يصبح الشعور الخادع باحتكار تمثيل الدين والنطق باسمه من دون الناس، ومن يخرج عن رأي شيوخهم وحاخاماتهم فكأنما خرج من الدين كله وليس عن اجتهاد بشري يُصيب ويُخطئ.

والمكارثية بثوبها الديني تنطلق من نمط تفكير خاطئ يتصف بأُحادية الرؤية فلا يروا الحق والصواب إلاّ من عيونهم، ورؤية إقصائية ترفض الآخر ولا تعترف بحقه في الاختلاف، وثنائية قطعية لا ترى الناس إلا صنفان: معنا فهو مؤمن في الجنة، وضدنا فهو كافر في النار، وينطبق عليهم منطق فرعون في احتكار الصواب عندما قال لقومه " مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ " ومنطق كفار قريش عندما قابلوا القرآن الكريم وآياته المحكمات باللغو والتشويش واللغط والضجيج والشتائم... بدلاً من مواجهته بالحجة والبرهان والدليل استجابة لقوله تعالى "قُلْ هَاتُوا بُرْهَانكُمْ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ"، فاتبعوا منهجية المكارثية بقولهم " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ" وطريقة اللغو تطورت تقنياً بتطور وسائل الإعلام والتواصل الإلكتروني التي اخترعها وصنعها الكفار ليستخدمها المتطرفون من كل الديانات في السُباب والشتائم وتحويل أي رأي منطقي وعقلاني يتفق مع الدين ولا يتفق مع فهمهم إلى هستيريا جماعية يتوّلى كبرها فئة نزلت بمستوى خطابها الديني إلى القاع الأدنى من السفاهة، وهوت بأدب الاختلاف إلى الدرك الأسفل من الفجور. ومن المفترض ان المكارثيين الجدد يعتبروا من مصير ومآل مكارثي ومن حذا حذوه، بسقوطه وتهاويه، وانتصار المنطق العقلي والفكر التنويري في كل المواجهات التي حدثت بين أصحاب الفكر التجديدي وبين أصحاب الفكر المكارثي.

الخلاصة أن المسلمين أولى الناس حاجةً للتخلص من نهج المكارثية الدينية، لما تحمله من إساءة للإسلام وتشويه للدين، ولما يُصاحبها من إرهاب فكري يقتل الإبداع، ويُبدد الطاقات، وينشر الفتن، ويُفسد الأخلاق، ويُعطّل البحث العلمي، ويحجب الكثير من الصواب. ونحن بحاجة مُلحة للتمييز بين ما هو ثابت مُقدس في الدين لا يقبل الاجتهاد، وما هو متغير في التراث ويقبل الاجتهاد والتجديد، والتفريق ما بين النصوص الدينية قطعية الثبوت والدلالة، والنصوص الدينية ظنية الثبوت والدلالة، ونحن بحاجة شديدة إلى إشاعة ثقافة التفكير والتسامح التي تعترف بحق الاختلاف والنقد وتعدد الأفكار والرؤى في الدائرة الإسلامية. وهذا يتطلب أن يقتنع الجميع أنهم يمثلون رؤى مختلفة واجتهادات متنوعة في فهم الدين الإسلامي في إطار الضوابط والقواعد الشرعية المعروفة، دون أن يحتكر أحد لنفسه تمثيل الإسلام... ورحم الله الشيخ العالم محمد الغزالي القائل " العلماء لا يرون في وجهات النظر المتباينة في قضية واحدة مثار شقاق أو خصومة، وأحياناً أسأل هل الخلاف الذي يقع والشجار الذي نراه مسألة خلقية أم عقلية، القضية أنّ الخلاف العقلي لا شيء فيه إنما سوء النية وسوء توجيه الكلام عن مجراه السليم هو الذي أخافه على أمتي".

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية