جوال

وليد طافش .. محاربُ التنمر يلوّحُ بدون يد في ساحات الدبكة

وليد طافش .. محاربُ التنمر يلوّحُ بدون يد في ساحات الدبكة

وليد طافش .. محاربُ التنمر يلوّحُ بدون يد في ساحات الدبكة

غزة - سوا - علي دولة

على أنغام "الميجانا والدلعونة والعين موليتي"، يتنقل الشاب وليد طافش بخفة عالية، وروح مرحة بين عددٍ من المتدربين في قاعةٍ صغيرةٍ لا تتجاوز العشرة أمتار طولًا وعرضًا، يحاول أن يوصل إليهم صورة الاستعراض الكاملة متجاهلًا يده اليمنى التي ولد بدونها أصلًا.

يمرّ الوقت سريعًا، يشير الشاب لأحد الطلاب كي يأتي فيشبك يده بيده اليسرى، ثم ينبهه للحركة التي سيؤديانها سويًا. بدأ الاثنان يؤديان الحركات، فإذا بطالبه يؤديها على أكمل وجه، هنا فقط يتأكد وليد أنه أدى المهمة بنجاح، وأن "الإعاقة" لا تحجب عن النجاح إلا من وضع بيده الحواجز.

بدأت قصة وليد (29 عامًا) عندما قرر أن يبدأ مشواره الجديد الخاص متجاهلًا عبارات التنمر ونظرات العطف والشفقة التي أشبعه المجتمع بها فقط "لأنه ولد بإعاقة". لقد استطاع في وقتٍ قصيرٍ أن يقول للناس: "أنا هنا، أمتلك العديد من المواهب التي يمكن أن لا يتقنها كثيرون ممن لا إعاقة لديهم".

وليد، هو واحدٌ من (٩٣ ألفًا) من ذوي الإعاقة في فلسطين، وقصته واحدة من عشرات آلاف القصص مع النظرة المجتمعية التي بإمكانها أن تدمر إنسانًا أو أن تبنيه بالتشجيع والدعم المساند.

منذ عمر عشر سنوات، قاوم وليد "التنمر" الذي واجهه من قبل أطفال جيله بدعم المحيطين به. عبارة "أبو إيد مقطوعة"، التي لطالما ترددت على مسامعه، ما زالت حتّى هذا الوقت تلاحقه، وتقويه. يقول: "لا أخفي أنّ شخصيتي تأثرت في مرحلةٍ ما، وصارت أقرب إلى المنطوية، التي تخشى مقابلة الناس، لكنّ ذلك لم يدم".

ويضيف: "أمضيت فترة من الزمن منعزلًا عن زملائي في المدرسة، كي لا أسمع الأحاديث السخيفة، والأسئلة المحرجة عن سبب إعاقتي، فضلًا عن الكلام المباشر، ولكن بعد إصرار عائلتي وتشجيعهم لي، خرجت من الحالة التي كنت أعيشها، وأعلنت حينها هزيمة الإعاقة، والعمل على تغيير النظرة المسيئة من قِبل البعض تجاه ذوي الإعاقة".

عام 2003 كان بمثابة نقطة تحول في حياة الشاب، لقد قرر المشاركة فجأة في مخيمٍ صيفي، استهدف الأشخاص ذوي الإعاقة، وكان يضم أنشطة متنوعة، منها الرياضي والتراثي والفني، أما هو فاختار "الدبكة" و"الفلكلور الشعبي"، لقد شعر بأنه يمتلك شغفًا كبيرًا تجاه هذا الفن فاندفع يتعلمه بقوة، ويتباهى بإتقانه أمام أقرانه حتى من غير ذوي الإعاقة.

وليد صاحب القامة الطويلة، والبشرة البيضاء، اكتسب ثقة المدربين الذين كانوا يشرفون عليه، حتى تحول خلال فترةٍ وجيزة من متدرب إلى أول مدرب من ذوي الإعاقة في الفلكلور الشعبي والدبكة، "هذا ساعدني في تخطي كافة العقبات، لقد أصبحتُ إنسانًا مؤثرًا بعد أن كدت أن أكون من أحد ضحايا التنمر".

"أخيرًا ارتديت قميص النصف كم في الشارع بدون خجل"، قالها وليد ضاحكًا، مبينًا أنه وبسبب هذه الثقة، بدأ يتلقى الكثير من الدعم الإيجابي، لا سيما في الشارع، أو خلال تدريبه لفرق الدبكة الشعبية، يضيف: "مثلًا المتدربون خلال عروضهم، يحرصون على استعمال اليد اليمنى في التلويح والحركات، وهي نفس اليد المبتورة لدي، وهذا يشير إلى نجاحي في التأثير والتدريب، حتى دون وجود يدي اليمنى".

مرحلةٌ جديدة بدأت في حياة وليد، عندما قرر قبل عدة سنوات البدء بالبحث عن شريكة، لقد اصطدم بالكثير من الرفض، "وصدقًا لقد تأثرت"، فهو لم يعد الطفل الصغير الذي يمكنه أن يتجاهل كلام الناس، يعلق بالقول: "رغم ذلك، لم أستسلم، وواصلتُ البحث عن شابةٍ تُقدّر وليد كإنسان، أكثر من أيّ شيئ آخر".

ويزيد: :"وجدتها أخيرًا، لم يعنها مظهري الخارجي كثيرًا، وكان زواجنا تقليديًا، ومنذ لقاءنا الأول، أقنعتها بأن إعاقتي لا تميزني عن غيري، وأن أفعالي هي من تحدد قوة شخصيتي، وليس أعضاء جسدي، واليوم نعيش حياة زوجية سعيدة دون أي منغصات".

نشاط وليد في العمل المجتمعي وإصراره على معايشة التفاصيل المختلفة من حياة الأشخاص ذوي الإعاقة، دفع إحدى المؤسسات، لتعيينه بوظيفة "مرشد نفسي"، يختص في التركيز على تقديم الدعم النفسي، للأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة .

عن ذلك يقول: "نجحت في توحيد الصفات لدى الأشخاص جميعًا في المركز الاجتماعي الذي أعمل به مرشدًا نفسيًا، خاصة أنني مثلهم، وكنت أعاني نفس المعاناة التي يعانون منها، وتعرضت للتنمر الذي يتعرض إليه عدد كبير منهم حاليًا، وأردت إيصال رسالة للعالم أجمع، بأن الإعاقة لن تعيب الإنسان، وإنما ما يعيبه أخلاقه وتعامله مع الآخرين".

"محارب التنمر" هو اللقب الذي يحبّ وليد أن يوصف به، فالوصول لهذه المرحلة لم يكن سهلاً كما يقول، رحلة حياة وليد التي امتدت لـ 29 عامًا حتى يومنا هذا، كانت كفيلةً بأن تمنحه خبرة طويلة وكبيرة، تمكنه من هزيمة اليأس، والتعامل مع أصناف الناس قاطبةً.