جوال

فلسطين: عصام السعافين ضحية التعذيب والمناكفات

مصطفى ابراهيم

مصطفى ابراهيم

السعافين اختطف من الشارع، بعدما اعترضته مجموعة من 4 أو 5 أشخاص ملثمين وبالزي المدني ومسلحين، واقتادوه في سيارة إلى مكان مجهول...تتفاعل حادثة وفاة الضابط في الشرطة التابعة للسلطة الفلسطينية عصام السعافين (40 سنة)، من سكان مخيم البريج، بتاريخ 23/2/2020، أثناء احتجازه من جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة “حركة حماس ” في قطاع غزة ، ودخلت الساحة الفلسطينية في مناكفات ومزايدات الانقسام الفلسطيني التي تعتبر سمة من سمات الساحة الفلسطينية منذ أكثر من عقد.

أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس ، مرسوماً باعتماد المواطن عصام السعافين، شهيداً من شهداء الثورة الفلسطينية، وفقاً لوكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” الناطقة باسم الرئاسة الفلسطينية، وكأنه تبقى شيء من الثورة. كما اعتبرته وزارة الداخلية والأمن الوطني في قطاع غزة شهيداً، خلال نشرها نتائج التحقيق الذي أجرته لجنة خاصة للوقوف على أسباب وفاة السعافين.

عصام السعافين
منظمات حقوق الإنسان التي تعمل على مراقبة مراكز الاحتجاز والتوقيف وانتدب بعضها أطباء مختصين لحضور عملية تشريح جثة السعافين، وأفاد طبيب الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان المنتدب في تقريره الأولي بوجود “آثار كدمة على الإبهام الأيمن من الرسغ حتى العقلة الأولى مع ازرقاق تحت الجلد، وآثار تغير في لون الجلد على الركبة اليسرى يميل إلى اللون البنفسجي، وهناك تغير في لون الجلد في النصف السفلي من الجهة الخلفية للفخذ الأيسر والجهة العلوية الخلفية من بطة الساق الأيسر، يميل إلى اللون الأزرق البنفسجي، وتغير في  لون الجلد على الإلية اليمنى يميل إلى الإزرقاق القاتم”.

السعافين اختطف في 27/1/2020 من الشارع، بعدما اعترضته مجموعة من 4 أو 5 أشخاص ملثمين وبالزي المدني ومسلحين، واقتادوه في سيارة إلى مكان مجهول، وبعد أيام علم أفراد عائلته بأنه محتجز لدى جهاز الأمن الداخلي عبر اتصال هاتفي، وطلب منهم الدواء والملابس، قائلاً إن احتجازه جاء على خلفية سياسية، “التواصل مع رام الله ”.

وقالت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، في بيان إنها واكبت اعتقال المواطن “ورفض جهاز الأمن الداخلي السماح لممثلينا بزيارته طوال فترة احتجازه، وأيضاً لوجود علامات قد تشير إلى تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة خلال فترة توقيفه، كما يظهر من التقرير الطبي الأولي الخاص بالهيئة، فإننا نطالب ب فتح تحقيق جنائي في الحادثة ونشر النتائج ومساءلة كل من يثبت مخالفته للقانون ومحاسبته”. 
وزارة الداخلية في حكومة غزة أصدرت بياناً وزعته على وسائل الإعلام، حول حيثيات توقيف السعافين ووفاته، وقالت إن ذلك حصل وفق الإجراءات القانونية، من قبل جهاز الأمن الداخلي بتهمة “الإخلال بالأمن العام” (التهمة وغيرها من التهم مثل تعكير صفو الثورة، توجهها الأجهزة الأمنية في قطاع غزة والضفة الغربية لنشطاء الحركتين وبناء على قانون العقوبات الثوري الذي أصدرته منظمة التحرير عام 1979).

وقالت: “تبيّن أن الموقوف يعاني من أمراض مزمنة منها: تضخم في القلب، والسكر وضغط الدم منذ فترة طويلة، وهذا ما ذكره تقرير الطب الشرعي”، وأوضحت أنه لم يتم اتخاذ الإجراءات الكافية لمراعاة وضعه الصحي أثناء فترة التوقيف، وفور تدهور حالته الصحية تم نقله للعلاج في مستشفى الشفاء، لكنه فارق الحياة في قسم العناية الفائقة في اليوم التالي. 

وفاة السعافين في مركز احتجاز الأمن الداخلي في قطاع غزة، ليست الأولى وتتلقى منظمات حقوق الإنسان شكاوى بالعشرات سنوياً من محتجزين تعرضوا للتعذيب، وسبقتها العام الماضي حادثة وفاة من هذا النوع في الضفة الغربية. ووفقاً لتقرير تقصي حقائق صادر عن الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، توفي المواطن محمود رشاد الحملاوي من مخيم جباليا في قطاع غزة ويقيم في مدينة رام الله، بعدما تم اختطافه والاعتداء عليه من قبل أشخاص، بينهم ضابط في جهاز الأمن الوقائي في رام الله، ولاحقاً سلّمه خاطفوه إلى جهاز الشرطة، وتم احتجازه في مركز إصلاح وتأهيل رام الله وتوفي بتاريخ 27/3/2019، من دون أن يتخذ أي إجراء على رغم علم الجهاز بأنه تم الاعتداء على الحملاوي أثناء اعتقاله، ولم تتحرّك الشرطة والنيابة بهذا الشأن.  


محمود رشاد الحملاوي
ومن أسباب وفاة الحملاوي تدهور حالته وتأخير علاجه فتكوّن سائل صديدي بكمية كبيرة وصلت إلى 1.3-2 لتر، وهذا يحتاج إلى وقت حتى يتكون مع ما يرافقه من أعراض وآلام عانى منها المتوفى وتتمثل في ارتفاع درجات الحرارة، وآلام في الصدر، مع ضيق في التنفس، وضعف عام في الجسم. واتضح أنه لم يتم تقديم العلاج المناسب للحملاوي ولم يعالج في مركز طبي مناسب، ما أدى إلى قصور في التنفس، وتدهورت حالته، ما أدى إلى قصور في أعضاء الجسم، والوفاة. 

كمية الصديد التي كانت في صدره، كانت تحتاج من 4 إلى 6 أسابيع كي تتشكّل، ولكن في ظروف استثنائية يمكن أن تتجمع هذه الكمية من السائل الصديدي في وقت أقل من ذلك، في حال تعرض لظروف اعتقال صعبة مثلاً، تضعف من استجابة الجسم للالتهابات، وتسرع في تكوُّن السائل الصديدي.

واتضح أن هناك تقصيراً في أوجهٍ عدة، في إجراءات التوقيف، والرعاية الصحية أثناء وجود الحملاوي في أماكن الاحتجاز، ولم تتخذ الجهات المسؤولة أي خطوات بحق الأشخاص الذين اختطفوا المواطن أو قصروا في تقديم العلاج السريع له، ولم يتم تعويض عائلة الحملاوي مالياً، ولم تتخذ إجراءات للإنصاف وجبر الضرر الذي لحق بالعائلة، ولم يُعتبر شهيداً، لأنه لا يعمل في السلطة ولا ينتمي إلى “حركة فتح”.

الرئيس محمود عباس، وكذلك رئيس المكتب السياسي لـ”حركة حماس” أصدرا في السنوات الماضية تعليمات بشأن توصية جميع الجهات ذات العلاقة بالتزام نصوص القانون الأساسي والقوانين الأخى التي تمنع أشكال التعذيب كافة، وتحظر المعاملة المهينة وتحرم السلوك الذي يمس بالكرامة الإنسانية.

كما شدد على جميع الجهات المعنية بالتوقيف والاحتجاز والتحقيق، بضرورة الالتزام بنصوص القانون الأساسي والقوانين ذات العلاقة التي تمنع أشكال التعذيب كافة، وتحظر المعاملة المهينة وتحرم السلوك الذي يمس بالكرامة الإنسانية، وحَرص على احترام الاتفاقيات والمواثيق والمعاهدات والإعلانات الدولية المتعلقة باحترام حقوق الإنسان، وذلك لإبراز الوجه الحضاري للشعب الفلسطيني.

التعذيب وإساءة معاملة المحتجزين الفلسطينيين في مراكز توقيف سلطة حماس في قطاع غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية عمل نمطي روتيني، تمارسه الأجهزة الأمنية لدى الطرفين ضد المحتجزين سواء من الأمن الداخلي أو بعض إدارات الشرطة التابعة لحكومة حماس في غزة أو مراكز التوقيف والاحتجاز التابعة لجهاز المخابرات العامة، والأمن الوقائي، واللجنة الأمنية المشتركة التابعة للسلطة في أريحا.

وتستخدم تلك الأجهزة أساليب متعددة في التعذيب منذ سنوات، كحجز الموقوف في مكان يسمى “الباص” أو “المسلخ”، حيث يحرم من النوم لساعات طويلة وهو الأسلوب الأكثر استخداماً، إضافة إلى استعمال أدوات تسبب ألماً شديداً من دون أن تترك آثاراً على جسم المعذبين. في المقابل لا يتّخذ المسؤولون في السلطتين أي إجراءات.

التعذيب وسوء المعاملة لم يتوقفا بحق المواطنين المحتجزين في قضايا مدنية مثل المخدرات والسرقة، لانتزاع اعتراف منهم، وكذلك المتهمين في قضايا سياسية وضحايا الاحتجاز التعسفي، يقعون ضحية الانقسام بين طرفي السلطة في الضفة الغربية. في غزة تحتجز الأجهزة الأمنية مواطنين من العاملين في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة في رام الله على خلفيات الانقسام وتوجيه اتهامات التواصل مع رام الله ويتعرضون للتعذيب وسوء المعاملة.

وتعتقل الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية أنصار “حركة حماس” وأعضاء الكتلة الإسلامية في الجامعات، وتوجه لهم أيضاً تهمة الإخلال بالنظام العام.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية