جوال

نـهـايـة رجـل مُـراوغ

د. عبد المجيد سويلم

د. عبد المجيد سويلم

ليست عادية نهاية نتنياهو، وهي نهاية لم تكتمل صورتها الأخيرة، ولم تتوضح بعد حدودها الدراماتيكية ، أما بقدر ما يتعلق الأمر بالمصير السياسي، فإن أقصى ما يمكن أن تصل إليه السجن، في حين أن أقلها هو الحرمان من مزاولة السياسة لعدة سنوات قادمة بعد الإدانة، أو قبلها.
إذ يمكن أن يتخذ الرئيس الإسرائيلي قراراً بالحرمان من تولي رئاسة الحكومة في ضوء توصية أو قرار من المستشار القضائي ومن المحكمة العليا، أيضاً. وبهذا المعنى فإنها النهاية.
لقد تلطخت سمعة نتنياهو، وهو مسربل الآن بالفساد بكل أنواعه التي عرضها المستشار القضائي،  ولم يعد بإمكانه استعادة المساحة التي فقدها جراء لائحة الاتهام. وهو بهذا المعنى أيضاً تزحلق إلى النهاية.
القدرة على إعادة التحكم والإحكام بسيطرته على معسكر اليمين وعلى حزب الليكود باتت مهلهلة، وقدرته على ممارسة «السحر» السياسي في أوساط اليمين والتطرف والعنصرية، ولبقائه في التحدث مع الجميع ـ جميع أطراف اليمين ـ كل حسب ما يحب أن يسمع، وحسب ما يمكن أن يحقق له من أمانٍ وطموحات، قد وهنت، ولم تعد تعمل لباقته، ولم تعد تنفع في إبعاد الشبح الذي يطارده ويحيط به من كل الاتجاهات.
التلويح باستنفار الشارع، والتحريض ضد كل «الخصوم والأعداء»، لن يجلب له إلا المزيد منهم، و»النواة الصلبة» التي تحيط به لم تعد بنفس الصلابة.
وكل من يحاول أن يشد على يديه في هذه الأيام، سواء من «النواة الصلبة»، أو من محيطها يعرف كما يعرف كل أنواع المراقبين أن الأمر يتعلق بحالة سائلة، ما زالت تميل إلى حالة الصلابة قليلاً، في الأيام الأولى من أزمة ما بعد «اللائحة».
وبلغة السياسة المباشرة، فإن الأمر هو مجرد محاولات لرفع المعنويات، وربما أن الأمر لم يعد أكثر من مجاملات سياسية معهودة في مثل هذه الظروف.
أي أن كل من يحاول أن يهوّن عليه الأمر هو في الواقع إما مخادع أو مخدوع، وهو - أي نتنياهو - لا يحتاج إلى أي أحد منهما في هذه المرحلة؛ لأن نتنياهو في واقع الأمر يحتاج إلى من يخوض معه غمار المعركة الأخيرة مهما كلف الثمن، وهؤلاء سيتناقصون يوماً بعد يوم.
جزء منهم سيلتزم الصمت، وجزء آخر سيتمتمون فقط، أما بعضهم فسيدير وجهه إلى جهة أخرى، ناهيكم طبعاً عن ذلك الجزء الذي سيجاهر بطلب الرحيل.
«غانتس» يطالب علناً بإنهاء دوره، و»ليبرمان» سيحاول أن يبين للجمهور أنه ليس متشفياً به، لكنه لن يقبل «بالتلوّن» معه.
أما اليسار فموقفه محسوم والقائمة المشتركة وعدت بأن تحرق الأرض تحت أقدامه وأقدام اليمين.
وهو بكل هذه الوقائع والمعطيات يسير بخطى متسارعة نحو الصورة النهائية التي ستكون دراماتيكية على ما يبدو حتى الآن.
لكن الموضوعية تقتضي أن نعترف لنتنياهو بقدرات خارقة في مجال العلاقات العامة والإعلام والمراوغة، وكذلك بقدرات استثنائية على تضليل الجمهور الإسرائيلي، وفي فنون إبقاء هذا الجمهور تحت مظلة الخوف والرعب.
يجب أن نعترف له بالذكاء في التقاط الفرص، وفي الإقدام على مغامرات كانت تبدو وكأنها حافة الهاوية، ثم التراجع إذا لزم الأمر.
أقصد أنه مناور من الدرجة الأولى، وليس من صفاته أبداً سياسة حرق السفن، لكنه كان يبدو كأنه يشعل عود الثقاب لإحراقها.
كما يجب أن نعترف له، أيضاً، بقدرة فائقة على العمل المتواصل، وبالنشاط في متابعة الأعمال، وبحيوية فائضة في التواصل داخلياً وخارجياً.
يضاف إلى كل ذلك أن نتنياهو وعلى الرغم من كل هذه المواصفات التي توحي بهوامش واسعة للمناورة، فإنه في واقع الأمر يميني متطرف بقناعة أيديولوجية عميقة، وهو عنصري في صلب مفاهيمه وأفكاره ومعتقداته، وليس من النوع المتطرف الطارئ.
واضح أن شخصية والده قد أثرت في تكوين شخصيته الفكرية والسياسية، ولكن عمله لسنوات طويلة في الولايات المتحدة، وفي مجالات سياسية وإعلامية حساسة، قد أكسبه مهارة القيادة، والقدرة على المراوغة الفعالة.
ليس لدي تفسير مقنع كيف لشخص مثله، وصل إلى ما وصل إليه من شعبية في إسرائيل، وكاد أن يتوّج باعتباره أحد «ملوكها» في العصر الحديث.. ألا ينتبه لحساسية تقبل «الهدايا» على سبيل المثال؟!
وليس لديّ تفسير مقنع كيف لشخص مثله أن يكون قليل الانتباه «لخطر الصفقات» التي حاول أن يعقدها أو أنه عقدها بالفعل؟!
يبدو أن كرسيّ السلطة بقدر ما هو مريح يعمي صاحبه عن رؤية الواقع أحياناً، وقد يعميه بالكامل في أحيانٍ أخرى. نتنياهو المعادي صميمياً لشعبنا وحقوقه وأهدافه، كان معادياً ـ وما زال ـ لنا كبشر، وهو معادٍ، أيضاً، لكل إسرائيلي ويهودي يؤمن ولو بالقدر القليل بحقنا في العيش على أرض وطننا.
نتنياهو يسير نحو النهاية هو وكل من على شاكلته؛ لأن أمثاله هم من الراسخين في الكراهية والظلم ومن الراسبين في دروس التاريخ.
بقي أن نقول: إن ثمة تشابهاً في بعض قفزاته ومغامراته وأهوائه مع الرئيس الأميركي ترامب. كما أنه ثمة تشابه في الآونة الأخيرة مع مفرداته وتبريراته وتهوراته.
لكن ترامب المراوغ والمخادع أقل قدرة على إخفاء نفسه وأكثر طيشاً من نتنياهو وكلاهما معاً يتشابهان بالكامل مع أقطاب اليمين واليمين المتطرف في العالم.
سيأتي يوم يتمنى فيه الأميركيون لو أنهم يستطيعون شطب ترامب من تاريخهم، وسيأتي يوم يضحك فيه الإسرائيليون على أنفسهم، وكيف أنهم صدقوا أن واحداً مثل نتنياهو سيوفر لهم الأمن والأمان.
ذلك أن ترامب ونتنياهو معاً هما خطر على شعبيهما قبل أن يكونا خطراً على الشعوب الأخرى حتى ولو بدت هذه المعادلة وكأنها غير واقعية في أيامنا هذه.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية