جوال

النخالة قاد بتكتيكه العسكري ودهائه السياسي نتنياهو إلى الهاوية

عوض أبو دقة

عوض أبو دقة

أدار الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين زياد النخالة ، دفة مفاوضات إطلاق النار، في قطاع غزة ، من خلال الوسيط المصري، باقتدارٍ وحِنكة، لتُفضي الأمور بعد ضرباتٍ نوعية وقوية، إلى اتفاقٍ بدأ سريانه الساعة ٥:٣٠ فجر الخميس ١٤ تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري.
وقد يتساءل كثيرون: عن أي اقتدار وحِنكة تتحدث؟!.. وما الذي حققته المقاومة وفي مقدمتها حركة الجهاد الإسلامي، في هذه الجولة القصيرة، والتي لم تتعد 72 ساعة؟.

وهنا أود أن استعرض جملة من النقاط والحقائق الهامة، التي رسخت عندي هذا الرأي:

* عند الحديث عن الاقتدار، أقول إن النخالة استمد قوة حديثه من قوة وقدرة وثبات مقاتلي سرايا القدس على الأرض، والذين دكوا العمق الفلسطيني المحتل منذ اللحظة الأولى بعد عملية الاغتيال المُركبة والمتزامنة في غزة ودمشق، والتي ارتقى فيها القائد البارز في السرايا بهاء أبو العطا وزوجته شهيدين، إضافةً لمعاذ، نجل عضو المكتب السياسي في الحركة أكرم العجوري، ومرافقه.

* من الواضح تماماً، أن العدو خطط لعملية الاغتيال المُركبة والمعقدة جيداً، وعوّل على نجاحها في ضرب وإرباك القيادة العسكرية لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، والتأثير على نفسية وتوجيه المقاتلين في الميدان، إلا أن ذلك لم يتحقق، وفشل العدو فشلاً ذريعاً، بدليل أننا رأينا كيف أن الرد في عمق كيان الاحتلال جاء سريعاً.

* وفضلاً عن سرعة رد سرايا القدس، نشير هنا إلى خارطة توزيع النيران، التي تم العمل بموجبها، إضافةً إلى آلية رماية غير مسبوقة، بمعنى آخر لقد تم العمل بتكتيك حِرفي غير تقليدي، يعتمد على إيلام العدو والإثخان فيه من خلال صواريخ ذات أبعاد مختلفة، تنطلق في اتجاهات متعددة في آنٍ واحد، وهي ذات قوة تدميرية كبيرة، ودقيقة التصويب على الأهداف.

* كلنا رأى مشاهد الدمار والرعب التي أحدثتها صواريخ سرايا القدس في جبهة العدو، وبالطبع ما عُرِض عبر شاشات التلفزة الإسرائيلية نَذرٌ يَسير مما سمحت الرقابة العسكرية، ومن فوقها المستوى السياسي، والدوائر الأمنية، في كيان الاحتلال بنشره، وإلا لما تحدى الناطق باسم السرايا أبو حمزة، العدو، بالكشف عن مشاهد الدمار الذي لحق بالمنشآت الإستراتيجية، والقواعد العسكرية، والمصانع، ومنازل المستوطنين، التي طالها القصفُ في مستوطنات "غلاف غزة".

* إن تحدي السرايا، فتح تساؤلاتٍ كبيرة ومُقلقة للغاية من قبل محللي العدو، ومن خلفهم الجمهور الإسرائيلي، عن حقيقة ما أحدثته صواريخ سرايا القدس من خسائر بشرية ومادية، طالت حتى المنشآت الإستراتيجية، التي لطالما اعتقدوا أنها محمية بشكلٍ كافٍ، يجعل من المستحيل اختراقها أو إصابتها تحت أي تهديدٍ كان. وما عزز هذه التساؤلات لديهم، أنهم عاشوا بالفعل أجواء الرعب التي دفعتهم بمئات الآلاف للملاجئ، وشلّت عندهم العملية التعليمية، والمرافق الاقتصادية، ودفعت بالآلاف منهم لإخلاء مدن وبلدات كاملة هرباً من نيران الصواريخ.

* إن الجبهة الداخلية الإسرائيلية أصيبت بشكلٍ واضح بصدمة قوية، وذعر غير مسبوق، الأمر الذي انعكس بدوره على المستويات السياسية والعسكرية والأمنية على السواء، والتي أصيبت بالارتباك والتخبط،  بدليل أنهم راحوا يُكيلون الاتهامات،  ويتراشقون الشتائم، وتحميل المسؤولية لبعضهم البعض عمّا جرى - وإن كان بعضها يندرجُ في إطار الخلافات الدائرة سلفاً حول فشل تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة -، في حين رأينا رئيس حكومة تصريف الأعمال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، الذي صادق على جريمتي الاغتيال في غزة ودمشق، بصفته وزيراً للحرب، يُحاول التملص من المسؤولية عن قراره، وتحميلِها لوزير الحرب الجديد نفتالي بينت، الذي تسلّم منصبه على وقع الحمم الصاروخية الغزيّة، واضعاً إياه أمام فوهات النيران.

* نتنياهو يلعب بكل الأوراق التي بين يديه، بل إنه يقاتل بكل قوة، كي يبقى على كرسي رئيس الحكومة الإسرائيلية، وذلك لأنه يدرك أن أي كرسي آخر، لن يوفر له الحماية من تهم الفساد التي تلاحقه منذ سنوات، فهو في حال فوزه بالمنصب، سيتضمن تمرير قانون "الحصانة"، الذي سيُعفيه من المحاكمة، التي قد تُفضي لسجنه 25 عاماً. على ضوء ما سبق طرحه، قام نتنياهو بتمرير مخطط الاغتيال المُركب في غزة ودمشق، في سياقات اختلق في نطاقها ذرائع، وهوّل رواياتٍ بثتها ماكينة إعلامية ضخمة تؤيده، كي يجعل الدوائر الأمنية والعسكرية، توافقه الرأي، ويسير مخططه بإحكام، بحيث يضمن من ورائه، تحقيق إحدى أمرين: إما تشكيل حكومة طوارئ موحدة مع ما يُعرف باسم "تحالف الجنرالات" أو ائتلاف "أزرق- أبيض" برئاسة بيني غانتس ، أو ضمان نتائج أقوى لتحالفه اليميني، في حال تقرر الذهاب لانتخابات كنيست ثالثة، وهو الأمر المتوقع، في حال فشل خيار تشكيل حكومة موحدة مع غانتس، يتداولان فيها الجلوس على كرسي رئاسة الحكومة، وذلك على فترتين، على أن يحظى نتنياهو بالمنصب، خلال الفترة الأولى. إلا أن حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، تفطنت لكل ذلك بحكنتها وفطنتها السياسية العالية.

* إننا هنا نتحدث عن أمين عام حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين القائد زياد النخالة، الذي اكتسب خبرةً كبيرة، راكمها من خلال ترؤسه جولات حوار، ولقاءات مع مسؤولين ورؤساء دول، وأخرى كان غرضها التفاوض، من خلال الوسيط المصري، على مدار ثلاث معارك خاضتها المقاومة في غزة منذ نهاية عام 2008، وأكثر من ثلاث عشرة جولة تصعيد بعد عدوان 2014، ناهيك عن ما اكتسبه من خبرة، على مدار ثلاثةٍ وعشرين عاماً، من العلاقة اللصيقة بحكم منصبه كنائب للأمين العام السابق للحركة الدكتور رمضان شلّح، فضلاً عن فهم الرجل العميق للعقلية الصهيونية، كونه اعتقل عدة سنوات في سجون الاحتلال، كان خلالها يقودُ الحركة الوطنية الأسيرة ويُمثلها في مفاوضات انتزاع حقوقهم من أنياب ما يُعرف ب"مصلحة السجون". وبالتالي غفل نتنياهو وطاقمه الأمني والعسكري، عن كونهم يجابهون حركةً يقودها رجلٌ محنك، وقادر على قلب الأمور لصالحه بهدوء السياسي ودهائه، وخشونة العسكري وتعدد تكتيكاته.

* لفهم ما جرى، وبالعودة لمخطط الاغتيال الإسرائيلي الذي تمّ بغزة ودمشق، ومحاولة نتنياهو تحقيق أمرين من ورائه، التقدير أن القائد زياد النخالة وقيادة حركة الجهاد الإسلامي،  تنبهوا لما يجري، فعملوا على ردٍ قوي، ونوعيٍّ، يصلُ مداه وتأثيره لكافة المدن المحتلة بشكل خاطف، وبتكتيك مغاير، تكون ركيزته نظرية القطّارة، في إطلاق الصواريخ، بمعنى أن حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، ومعها قوى المقاومة، ليس لديها ما تخسره، وهي مستعدة للبقاء في الميدان شهوراً، وفق هذه النظرية، وهذا أمر لا تقوى على تحمله "إسرائيل" ومنظومتها الاقتصادية، وجبهتها الداخلية، وما يندرج تحتها من بنود، كتزايد معدلات الهجرة العسكية، وتعطل العمل، والمسيرة التعليمية.. الخ، فكل ساعة مكلفة للغاية، فما بالك لو استمر القتال أياماً، أو شهوراً، وبالتالي فإن سياسة النَفَس الطويل التي أبداها النخالة - وهي التي  ظهرت بالمناسبة، بوضوح خلال حديثه الإعلامي - أفشلت رهان نتنياهو على تشكيل حكومة طوارئ إسرائيلية موحدة، وعجّلت في تلبية شروط المقاومة الفلسطينية، اعتقاداً منه أنه بذلك سيكسبُ نتائجَ أفضل لتحالفه اليميني، في حال تقرر الذهاب لانتخابات كنيست ثالثة، وهو الأمر المتوقع.

* هنا أقول، حتى هذا الخيار الوحيد والأخير، سيخسره نتنياهو، رغم كونه  لازال يراهن عليه، ودفع من أجل عدم خسارته الكثير من ماء وجهه، بدءاً من توسله منذ الساعة الأولى، المصريين بالتوسط لدى حركة الجهاد الإسلامي، من أجل تحقيق وقف إطلاق نار في أسرع فرصة، وانتهاءً بخضوعه لشروط المقاومة الثلاثة، التي حددها النخالة، وبيّن أن عدم الاستجابة لها، يعني أن مقاتلي سرايا القدس سيظلون في الميدان، ولن يتوقف مسلسل ردهم، والله أعلم ماذا فعل نتنياهو في الخفاء بين هاتين المحطتين!!. وقد يسأل سائل: كيف سيخسر نتنياهو هذه الورقة الأخيرة، رغم كل ما فعل للحفاظ عليها؟!.. الجواب ببساطة: لقد  فات نتنياهو أن يُحيك مخططاً لما أحدثته معركة اليومين من خسائر فادحة على المجتمع الإسرائيلي، وستكتب الصحافة العبرية عن هول هذين اليومين، وكم كانا قاسيين جداً على "إسرائيل" بكافة مكوناتها ومستوياتها. ما ستكشفه الأيام القليلة القادمة عن وقائع وضربات معركة صيحة الفجر، وما حققه صاروخ البراق 120 من نتائج، وما سيتلو ذلك في إطار استخلاص الدروس والعبر، كلها كفيلة بإحداث صداع سياسي، لن يُفلت منه نتنياهو،  حتى يودي به لخسارة أي انتخابات قادمة، ومن ثمّ سيكون مصيره السجن.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



الأخبار الأكثر تداولاً اليوم