جوال

حقيقة مابعد أوسلو

طلال عوكل

طلال عوكل


مع أن شهر أيلول طافح بالذكريات السوداء، إلاّ أن معظم تلك الذكريات من كل عام تمر بأقل القليل من الاهتمام، يطويها دون أن ينساها دفتر ذكريات التاريخ الفلسطيني.
خلال هذا الأسبوع وفي تزامن قد تكون لطمته الأقدار، ولكن قد تكون أيضاً من صناعة كيان احتلالي تعود على التخطيط لسنوات وربما عقود قادمة.
في الثالث عشر من هذا الشهر، تكون مرت الذكرى السادسة والعشرون لتوقيع اتفاقية أوسلو، وفي الثاني عشر منه تكون مرت الذكرى الخامسة عشرة لخروج آخر جندي إسرائيلي من داخل قطاع غزة في سياق ما يعرف بـ "إعادة الانتشار". ونحو ذلك اتخذت، إسرائيل العام 2007 قراراً بالتعامل مع قطاع غزة باعتباره كيانا معادياً.
ثمة ترابط بين هذه التواريخ، وما تنطوي عليه من أحداث تنظمها سياسة إسرائيلية ذات أبعاد استراتيجية، تحتاج إلى مراجعة وطنية عميقة من قبل الكل الفلسطيني.
بالعام يمكن وصف عمليات المراجعة التي تقع في مناسبة توقيع اتفاقية أوسلو، على أنها إما مجرد مناقشات لا تزيد أهميتها عن ملء الفراغ وإقامة فعاليات روتينية تنضاف إلى مئات المؤتمرات وورشات العمل، التي تنتهي نقاشاتها وتوصياتها في المكان الذي تقام فيه.
بالنسبة لفصائل العمل السياسي، فإنها في الأغلب تقوم بإصدار بيانات وتصريحات، من مواقع التذكير بمواقفها الرافضة لأوسلو، أو نكاية بالآخر الذي وقع عليها، أو لإظهار الفشل وكيل الاتهامات وإلقاء المسؤوليات على الآخر.
الحديث يدور عن مرحلة تساوي زمنياً مرحلة الثورة الفلسطينية المعاصرة، وقد تمتد إلى سنوات أخرى، قبل أن تطوى صفحتها، وتصبح شيئاً من تاريخ الصراع، بكل ما لها وما عليها.
في الواقع لا يمكن محاكمة هذه المرحلة الطويلة بمنطق أسود أو أبيض فهي وإن كانت فاشلة من حيث مخرجاتها، بما في ذلك فشل المشروع الوطني الفلسطيني، وفشل كل منطق وأسس وآليات عملية السلام، إلاّ أنها مع ذلك حملت بعض المؤشرات والإنجازات الإيجابية التي لا تقارن بالتأكيد مع الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب الفلسطيني.
وعملية المراجعة أو المحاكمة لا يمكن أن تتم من قبل طرف واحد، وبنوايا سلبية مسبقة، وإنما ينبغي أن تتم في اطار وطني جامع، لأن المقصود هو الاستفادة من دروس التجربة، نحو إعادة تعريف المشروع الوطني في ضوء المعطيات الجديدة، واشتقاق استراتيجية وطنية فلسطينية جامعة. المقام لا يتسع لمثل هذه المراجعة الشاملة، ولكنني أشير إلى مسألة مهمة، وهي أن العرب والفلسطينيين عموماً لا يتوقفون، بقراءة جدية وعميقة أمام مفردات الاستراتيجيات السياسية والأمنية، التي تصدر عن مؤسسات بحثية وسياسية استراتيجية إسرائيلية.
ثمة مجال لسرد الكثير من المراجع البحثية والسياسية والأدبيات الإسرائيلية التي صدرت في سنوات سابقة، ومبكراً، حين مقارنتها، بما جرى بعد ذلك من أحداث، فإننا نستنتج، أن إسرائيل تشتغل وفق مخططات مدروسة. تقوم الأجهزة التنفيذية، بالعمل على تنفيذها أو فرضها. إسرائيل اليوم يفترض أن تكون مقروءة ليس بما قامت به أو تقوم به اليوم، وإنما بما ستقوم به خلال السنوات القادمة سواء بالنسبة للموضوع الفلسطيني أو العربي والإقليمي. بالمقابل نحن الفلسطينيين غير قادرين على قراءة أوضاعنا، واستراتيجياتنا وخطواتنا حتى لأيام وأسابيع قادمة، ومثلنا العرب.
أكثر من ذلك فإن الأوضاع الفلسطينية بما هي عليه منذ أكثر من اثني عشر عاماً، وبما تتجه نحوه، تشير إلى مدى تعطل الماكينة الفلسطينية في مواجهة المخططات الإسرائيلية التوسعية المستعجلة. الانقسام مرة أخرى هو ربما أهم عوامل تعطيل الماكينة الفلسطينية، وربما كان في الأصل واحداً من العوامل ولو الثانوية التي ساهمت في تشكل بدايات الانحدار نحو مرحلة أوسلو. ظروف كثيرة معقدة وصعبة دفعت القيادة الفلسطينية نحو الانخراط في عملية سياسية مع إسرائيل، منذ العام 1993، لم يتحقق خلالها وفيها، الحد الأدنى، من التطلعات الفلسطينية.
على أن مراجعة الأوضاع الفلسطينية إثر اندلاع الانتفاضة الكبرى العام 1987، تشير إلى استعجال القيادة الفلسطينية في الاستثمار ما جعلها مبكراً وفي العام 1988، تقدم على ما يعرف بالمبادرة الفلسطينية للسلام.
المبادرة الفلسطينية تلك قامت على اعتراف المجلس الوطني الفلسطيني بقراري مجلس الأمن (242) و(338)، والتي شكلت المقدمة لما يعرف بالحوار الأميركي الفلسطيني.
حتى يتم ذلك الحوار، قدمت منظمة التحرير الفلسطينية ثمناً باهظاً فقط حتى يبدأ حوار مع السفير في تونس روبرت بلليترو، لا طعم ولا رائحة له.
الثمن كان الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، وإدانة والتخلي عن الإرهاب وإلغاء الميثاق الوطني، الذي يتحدث عن تحرير كل أرض فلسطين التاريخية. ولكن لماذا استعجلت القيادة ذلك  الاستثمار الرديء؟ في الواقع ثمة سببين: الأول، هو الانقسام الفلسطيني الذي شهدته الانتفاضة بين قيادة موحدة لفصائل منظمة التحرير وأخرى إسلامية، كان لكل منهما برنامجه ونشاطاته. أما الثاني، فكان خشية القيادة في الخارج، من أن تشكل قيادة الداخل بديلاً أو منافساً لها، بعد أن خطفت الأضواء والاهتمام نحو فعاليات الانتفاضة.
إن كان الوقت لا يسمح بالملاومة والتذكير بالاخفاقات وبسوء الأداء، وبالقراءات والقرارات الخاطئة، والتي تصدر في غير وقتها، فإنني على الأقل أرى حسنة كبيرة لمرحلة أوسلو. بعد كل هذا الوقت من الصراع ومن المحاولات الفلسطينية والعربية والدولية للتوصل إلى حل على أساس قرارات الأمم المتحدة، على العالم أن يقتنع إن لم يكن اليوم فبعد حين، ان إسرائيل المدعومة كلياً من قبل الولايات المتحدة، هما من يتحمل المسؤولية الكاملة عن إعادة الصراع إلى أساسه الأول بما أنه صراع وجود وليس صراع حدود.
لم يبق في جعبة الفلسطيني ما يمكن أن يقدمه من أجل سلام على أساس قرارات الأمم المتحدة، وما كان يمكن لمثل هذا السلام أن يتحقق أساساً بسبب الطبيعة التوسعية للمشروع الصهيوني التوسعي الذي يتجاوز أرض فلسطين، مهما قدم وفعل الفلسطينيون، وهذا ما يقتضي إدراكه أولاً من قبل الفلسطينيين قبل غيرهم.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية


الأخبار الأكثر تداولاً اليوم