جوال

لا تتوهّموا الصبر ضعفاً

طلال عوكل

طلال عوكل

يبدو أن اللحم الفلسطيني أصبح مطمعاً للنسور والغربان، وبضاعة يأمل الكثيرون أن تحظى بقدر من الاهتمام، في مزاد الانهيار العربي، والعجز الدولي. يتوهم الكثيرون حتى في محيطنا القريب، أن الوقت قد حان لكي يأخذ نصيبه من الكرامة والحقوق الفلسطينية. لم يعد الفلسطيني، يخيف أحداً، ولا هو قادر على إلزام أحد حتى من الأشقاء باحترام إرادة الفلسطينيين، ولكن أي إرادة، في ظل استمرار الانقسام؟


هو سؤال موجه للفاعلين الفلسطينيين، الذين لا تحمرّ عيونهم في وجه الطامعين والمتخاذلين. في أيام سابقة، توصف بالزمن الجميل كان الفلسطيني كل فلسطيني، مشروعاً لنقل عدوى الثورة، إلى الشعوب التي ترتجف من شدة الظلم والفقر، والتهميش من قبل أنظمتها السياسية الاستبدادية. 


في أيام الزمن الجميل، كان الشهيد الكبير غسان كنفاني قد قال: «إن الإمبريالية جسد بشع يتمدد فوق العالم، أينما ضربته توجعه وتخدم الثورة العالمية». وفي أيام الزمن الجميل، أيضاً، كان اليسار الفلسطيني والعربي يحدد معسكر الأعداء، على أنه الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية، ولكن هذه الأيام لا تحتمل مثل هذه الشعارات الجدية.


ما يجري في لبنان يثير الكثير من الغضب والاستفزاز، وربما يستدعي أن يظهر الفلسطينيون مدى احمرار عيونهم. لقد صبر الفلسطينيون في لبنان سبعة وثلاثين عاماً، من الظلم والفقر، والتخلف، ليس ضعفاً وإنما مراعاة لأوضاع لبنان المضطربة، وحتى يتجنب الفلسطيني أن يكون جزءاً من الصراع الداخلي، ينبغي أن يخجل قادة ووزراء لبنان، من أنهم التزموا بقرار الرئيس السابق بشير الجميّل، الذي منع على الفلسطيني أن يمارس أكثر من سبعين مهنة. ذهب الجميّل إلى حتفه ولم يمض على تولّيه الرئاسة أشهر قليلة، وبقي قراره، وبقي من يواصل التمسك بإرثه الظالم بحق الفلسطينيين.


الرئيس والحكومة، والمقاومة، ومعظم الأحزاب، والكتل النيابية، في لبنان، أعلنوا رفضهم ل صفقة القرن ، وامتنعوا عن حضور ورشة البحرين. بدا الموقف قومياً بطولياً، وكأنه نابع من التزام صارم، ومغامر، بالقضية الفلسطينية، لكن الأمر يكشف عن أن هذا الموقف الجيد، يستند إلى رؤية وطنية لبنانية، ترفض كما يرفض الفلسطينيون توطين اللاجئين في لبنان.
المغريات كلها التي يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة ودول المال، لا تستطيع تعويض خسارة لبنان في حال قبل بالتوطين.


نحو ثلاثمائة ألف فلسطيني في لبنان، سيطيحون بالتركيبة الطائفية التي يستقر عليها النظام السياسي، منذ عقود طويلة، ولهذا فإن مقاومة لبنان لمؤامرة التوطين لا تقل أهمية عن مقاومة الشعب الفلسطيني. منذ اتخذ الجميّل قراره، والذي جاء بعد خروج المنظمة ومقاتليها من لبنان، وبعد مجزرة صبرا وشاتيلا، والملاحقات التي اتبعتها الأجهزة الأمنية، وأحزاب لبنانية للفلسطينيين، أدت إلى تنشيط ظاهرة الهجرة، هرباً من الجوع والقمع. وعاش من بقي في ظروف غاية في القسوة، جعلت مخيمات لبنان الأكثر فقراً، والأكثر سوءاً من حيث الخدمات الصحية، والتعليمية، والمعيشية والنفسية.


ربما اطلع الكثيرون على مأساة مخيمي نهر البارد والبداوي، اللذين تعرّضا لدمار واسع، ولم يجر حتى الآن السماح بإعادة إعمارهما، لكن ما قد لا يعرفه الكثير من الفلسطينيين، أن أكبر المخيمات الفلسطينية وهو مخيم عين الحلوة، يتعرض لحصار شديد، والدخول إلى «عين الحلوة» يحتاج إلى تبرير، أو تصريح، وليس حال المخيمات الأخرى أفضل. الأمر ينطوي على غرابة شديدة، حين يتخذ وزير العمل اللبناني، قرارات، تشدد الخناق على عمل الفلسطيني، وكأن قرار بشير الجميّل جزء من الدستور اللبناني، أو انه واحد من قرارات اتخذها مجلس النواب، وان وزير العمل يجد نفسه ملزماً بتنفيذه.


أين الحكومة اللبنانية، وأين الرئيس، وأين مجلس النواب، وأين المقاومة وتأثيرها؟ حين يتخذ وزير قراراً يخالف سياسة الحكومة أو ينطوي على إخلال بأمن البلد، تتدخل الحكومة، أو يتدخل الرئيس ولكن يمضي الأسبوع الثاني، دون حراك سياسي يضع حداً لقرار وزير العمل. استمرار وزير العمل في تنفيذ قراره، يشكل وصمة عار في جبين كل مسؤول لبناني، ويرفع علامات استفهام كبيرة حول صدقية المواقف والسياسات التي تتحدث عن الالتزام بدعم القضية الفلسطينية. علامة الاستفهام التي تنطوي على الشك في صدقية الشعارات القومية المتطرفة، تطال حتى المقاومة اللبنانية، ذلك أن الأمر لا يتعلق بسلوك فلسطيني يحاول أن يورط لبنان في صراع مع إسرائيل أو غيرها. إنه سلوك يتعلق بلقمة العيش، والحد الأدنى من أسباب البقاء.


لا يريد لبنان وسيقاوم التوطين هذا من حقه، وسيجد الفلسطيني إلى جانبه كل الوقت، ولكن أن يكون الهدف دفع الفلسطيني، إلى الهجرة والتيه، أو قتله جوعاً، فهذا أمر لا يمكن احتماله.


 الفلسطينيون في لبنان، ويساندهم كل الفلسطينيين، يقفون سلمياً في وجه هذا الظلم البيّن، ولكن لا يضمن أحد في هذه الدنيا، أن لا تفلت الأمور، وتتجه نحو الفوضى، فالجوع كافر بل أبو الكفر. والأفضل أن يجري تدارك السيناريوهات الخطرة، وإلاّ فإن الأوضاع تذهب نحو الأصعب.
 

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



الأخبار الأكثر تداولاً اليوم