جوال

تصريحات فريدمان: ماذا نفعل غير الرفض والتنديد

اشرف العجرمي

اشرف العجرمي


التصريحات التي أدلى بها السفير الأميركي في إسرائيل دافيد فريدمان التي قال فيها إن من حق إسرائيل ضم مستوطنات في الضفة الغربية، وأشياء أخرى سيئة هي ليست زلة لسان ولا تعبر عن موقف شخصي كما تحاول بعض الأوساط تفسير ذلك، بل هو يعبر عن موقف إدارة الرئيس دونالد ترامب، وبالمناسبة هي ليست الأولى التي تحدث فيها عن حق إسرائيل في الاستيطان. وهي تعكس بوضوح فكرة الإدارة الأميركية للتعامل مع الملف الفلسطيني. وقد لا يطرح الأميركيون مشروعاً سياسياً متكاملاً كما يروجون لأسباب كثيرة منها اضطرار إسرائيل للذهاب إلى انتخابات جديدة بعد ثلاثة شهور، ولعدم وجود طرف فلسطيني أو عربي مستعد لقبول "الصفقة"، ولكن المشروع يجري تنفيذه على الأرض عبر سلسلة من الإعلانات المتتالية التي تريد تكريس الأمر الواقع لصالح إسرائيل على غرار الاعتراف ب القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية للقدس ودمج القنصلية الأميركية في القدس بالسفارة والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة، وقد يتبعها اعتراف أميركي بضم إسرائيل لقسم من المستوطنات إذا ما أقدمت إسرائيل على خطوة من هذا القبيل بتشجيع من واشنطن.
ونحن سنجد أنفسنا مع مشروع يطبق على الأرض لسنا طرفاً فيه ولا نملك أن نغير منه شيئاً، فالرفض الفلسطيني وإن كان مهماً وضرورياً ليس كافياً للتصدي لمشروع يأخذ أبعاداً استراتيجية مدمرة قد تصل إلى مستوى نكبة جديدة تلحق بالشعب الفلسطيني، فالخطة الأميركية- الإسرائيلية تريد شطب الشعب الفلسطيني وإلغاء حقوقه وكل ما حققه على الأرض من كيانية وهوية مستقلة. بل إن إسرائيل مستعدة هي والولايات المتحدة لتدمير السلطة والاستغناء عن وجودها على الرغم من حاجتها للتنسيق الأمني وللاستقرار النسبي الذي تخلقه في المناطق الفلسطينية المحتلة. فالاعتداء على أموال السلطة وعلى هيبة ومكانة السلطة باجتياح مناطق (أ) وأخيراً إطلاق النار على عناصر جهاز الأمن الوقائي في نابلس كلها مؤشرات على نوايا وسياسة تحاول تحطيم السلطة وتقويض قدرتها على التحكم والسيطرة على الأرض. 
الفلسطينيون قد لا يستطيعون تغيير السياستين الأميركية والإسرائيلية، ولكنهم يستطيعون إحباط نجاحهما على الأرض الفلسطينية، بتعزيز صمود المواطنين على أرض وطنهم ومنع عمليات التهجير وربما التطهير العرقي القادمة في إطار المشروع الاستيطاني الكبير الذي لا يعرف الحدود، وهذا لن يحدث إذا بقينا على وضعنا الحالي حتى لو أجمعنا على رفض المخططات المعادية. فما الذي نفعله لتقوية وجودنا على الأرض ونحن جميعاً نعلم أن معدلات هجرة الشباب في ازدياد مطرد في غزة والضفة؟ وما هو سبيلنا لتحصين الوضع الداخلي بعوامل مادية ومعنوية يمكنها أن تعزز إمكانيات التصدي للمشروع الاستيطاني حتى تتحسن الشروط الإقليمية والدولية وتتغير بشكل يقود إلى تسوية سياسية عادلة للصراع مع إسرائيل. خاصة وأن العالم يشهد محاولات ولادة أقطاب دولية قد تفقد الولايات المتحدة قدرتها على التحكم في مصير العالم من طرف واحد.
الموقف الذي يعتمده الرئيس أبو مازن والقيادة الفلسطينية من "الصفقة" الأميركية صلب وحازم، وكذلك موقف كل مكونات المجتمع الفلسطيني بما في ذلك الحركات الإسلامية، ولكن تبدو القيادة كمن يتحمل المسؤولية وحدها بعيدة عن المسؤولية الجماعية المطلوبة في مثل هذه الظروف. صحيح أننا بحاجة لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية الكاملة للتصدي للمخاطر المحدقة بقضيتنا الوطنية، ولكن هناك خطراً داهماً وهائلاً يتهدد مستقبلنا جميعاً، علماً بأن مشروع السلطة وصل إلى طريق مسدود وكذلك مشروع " حماس " في غزة هو الآخر مأزوم ولا أفق له على الإطلاق، فما الذي يمنع عقد لقاءات فلسطينية على مستوى كل النخب لتدارس الحالة التي وصلنا إليها والعمل على وقف التدهور والحفاظ على ما لدينا وتعزيز صمود شعبنا لمنع تحقيق المخطط الاستعماري الجهنمي الذي يريد القضاء على حقوق شعبنا وحتى على وجوده المستقل.
أحد القيادات الفلسطينية المرموقة طرح فكرة عقد مؤتمر وطني جامع لكل النخب الفلسطينية في الداخل والخارج وأينما تواجدت لبحث الواقع الراهن وكيفية إنقاذ المركب، ولكي يتحمل الجميع مسؤولياتهم في معركة التصدي للمشروع الأميركي- الإسرائيلي، فلا يجوز أن يتحمل الرئيس المسؤولية وحده عن الكارثة القادمة، بل يجب أن يتشارك الجميع في تحمل هذه المسؤولية وفي العمل من أجل المصالح الوطنية العليا. فالمواطن عندما يكون شريكاً في اتخاذ القرار يتحمل العبء الملقى عليه كجزء من عملية التصدي التي يخوضها الشعب بكامله ضد الاستهداف المباشر لوجوده. ولو بقيت الأمور على ما هي عليه الآن سنجد أن كل شخص يفكر في نفسه وسيكون صعباً أن نطلب من مجموعة معينة تحمل العبء وحدها طالما هي ليست شريكة في التفكير والقرار والعمل من أجل الهدف الوطني، كما يحصل اليوم مع موظفي السلطة وربما مع قطاعات أخرى. نحن بحاجة لشراكة وطنية واسعة تتجاوز الأحزاب والقوى القائمة وتصل إلى كل النخب الفلسطينية الوازنة من قيادات سياسية ومثقفين وقيادات اجتماعية ورجال أعمال وكل من يمكنه المساهمة في انتاج خطة عمل وطنية لمواجهة الخطر الأكبر علينا في هذه المرحلة وإفشاله.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية


الأخبار الأكثر تداولاً اليوم