كيف يُصنع القرار في إسرائيل؟ تلك قصة طويلة لكن يخطئ من يظن أن قادة الأحزاب هم أصحاب الكلمة وصانعو قرار، فهؤلاء في إسرائيل مجرد هواة في السياسة كما وصفهم ذات يوم مؤسس الدولة دافيد بن غوريون، فالقرار ترسمه مؤسسات الأمن وليس أيضا قادة الأمن بل مراكز الدراسات التابعة للأجهزة الأمنية.
أما كيف تعمل تلك المراكز فتلك قصة أخرى، فلكل جهاز من أجهزة الأمن مركز دراسات موجودة في الجامعات الإسرائيلية أما لماذا في الجامعات؟ فلأن هناك تسكن كل عقول العلم في الدولة والمتخصصين في كل شيء وحين يتم رسم سياسة ما تجاه قضية ما يطلب مركز الدراسات من البروفسور المختص أو عدة متخصصين وضع تصور عنها، وهكذا يرفعها قادة الأجهزة بعد أن تكون قد درست من كل النواحي من قبل الخبراء يرفعونها للمستوى السياسي الذي فقط يصادق على ما جاء فيها.
وهكذا نحن أمام عشرات الآلاف من الخبراء والمتخصصين وهم مشاركون فعليون في صناعة السياسة في إسرائيل وهذه إحدى نقاط قوتها، ونحن نخطئ حين نفكر أنها بنفس مستوى أداء وصناعة القرار العربي، وهذه إحدى نقاط ضعفنا نحن العرب حين ينحصر القرار بمجموعة صغيرة موالية منعزلة عن الخبراء، بينما على الجانب الآخر يقدم أصحاب الاختصاص رؤية استراتيجية لعقود قادمة وحول ماذا تريد إسرائيل وما هي مصالح الدولة والسيناريوهات اللازمة لذلك.
وفي نفس الإطار تقوم إسرائيل بابتعاث بعض المتفوقين من خريجي القانون إلى الولايات المتحدة لمدة عشر سنوات على نفقتها فقط ليصبح متخصصا في صياغة الاتفاقيات، لهذا كانت الاتفاقيات التي وقعتها إسرائيل مع العرب محكمة إلى الدرجة التي ضمت كل مصالح إسرائيل، ووضعت من القيود على موقعيها ما جعلهم يعضون أصابعهم بعد الإفاقة من نشوة الاحتفالات بوقت طويل واتفاقية إعلان المبادئ نموذجا.
سيناء .. ماذا قال المتخصصون قبل توقيع اتفاقية كامب ديفيد؟ لم يكشف بعد ....ولكن لنا أن نتصور قراءة إسرائيل لنفسها وللفلسطينيين ولمصر. ربما هنا تدخل علماء الديمغرافيا للقول أن إسرائيل ستواجه بعد عشرات الأعوام أو بعد مائة عام "هذا سيناريو افتراضي قريب من التفكير الإسرائيلي "ستواجه مشكلتين الأولى هي أن مساحتها صغيرة ولن تتسع للنمو الديمغرافي اليهودي، فماذا لو وصل عدد اليهود إلى ثلاثين أو أربعين مليونا مثلا، والثانية ماذا لو وصل عدد سكان قطاع غزة إلى ثلاثة أو أربعة ملايين".
مؤتمر هرتسيليا قبل ست سنوات وضع تصورا للقطاع بوصول سكانه بعد أكثر قليلا من عقد الى 2,5 مليون ....فالإسرائيليون والفلسطينيون في غزة والضفة يعيشون فقط في 27 ألف كيلو متر، فإسرائيل بعد عقود لن تتسع للإسرائيليين وغزة لن تتسع للغزيين، وليس لغزة حل سوى التوسع في سيناء، هذا أعيد تأكيده قبل ست سنوات، ومن الملاحظ أن المشروع آخذ بالتبلور والوضوح والتنفيذ، أما إسرائيل فما هي خياراتها؟ فمن الغرب البحر ومن الشمال لبنان وهو صغير لا يتسع لزيادة بعيدة المدى، والأردن شرق النهر هو الوطن البديل للفلسطينيين وفقاً للتفكير الإسرائيلي وإسرائيل تريد فك الارتباط معهم.
اذا لنا أن نسرح قليلا لنعتقد أن سيناء وهي المنطقة الخالية من السكان هي الاحتياط الاستراتيجي للدولة التي ستضم كل يهود العالم وسيتزايدون فيها، هذا بالمعنى السياسي اذا ما تجاهلنا البعد الأيدلوجي التوراتي باعتبار التوراة نزلت على نبي اليهود في سيناء، فهي مهد الديانة كما تقول الأسطورة ويتزايد الاهتمام بذلك مع ازدياد انزياح إسرائيل نحو الكتلة الدينية.
وربما أحيل ذلك لخبراء القانون المتخصصين في الصياغات ليتم تكبيل يد الدولة المصرية وضمان فتح الطريق للاستراتيجيات الكبرى من خلال إبعاد الجيش المصري عن سيناء بحجة الأمن، والجيش هو الضمانة الوحيدة لسيطرة الدول على أراضيها وقد سقطت هذه الحجة عند خروج إسرائيل من لبنان عام 2000 وعدم مطالبتها لأحد بإبعاد قوات حزب الله عن الحدود وذلك لانعدام إمكانية التوسع في لبنان، ولكن سيناء تشكل احتياطا استراتيجيا على المدى البعيد فيما لو أعيد خلط الأوراق في الاقليم.
ما يحدث في سيناء ليس فقط خسارة عدد من افراد القوات المصرية بل إضعاف لسيطرة الدولة في هذه المنطقة التي أصبحت تشكل الخاصرة الرخوة للقاهرة وللأمن القومي المصري، نحن أمام استنزاف حقيقي في منطقة لا يشكل وجود الدولة المحدود فيها ضمانة للاستقرار، ومن أجل وقف النزيف مصر أمام خيارين: إما الانسحاب من سيناء، اذ بات واضحاً أن ما هو موجود من قوات لا يكفي لمواجهة موجة الإرهاب التي تضرب الدولة، أو الخيار الثاني وهو تواجد كبير للقوات المصرية لإخضاع هذه المنطقة لسيطرتها، وتلك كان دهاء الإسرائيلي حاضراً في الحيلولة دونها.
إذا أصبح هناك ضرورة لإعادة فتح اتفاقية كامب ديفيد، فلا يعقل أن يتم تلبية كل ضمانات الأمن القومي الإسرائيلي والمصالح الاستراتيجية والأطماع الجيوسياسية على حساب الأمن القومي المصري الذي يشكل ضمانة كبرى للأمن القومي العربي، فالمصلحة المصرية فوق كل اعتبار، وإذا كانت إسرائيل تريد منطقة عازلة بينها وبين مصر ففي صحراء سيناء ما يكفي، هذا إذا افترضنا أن الزمن وجيل السلاح توقف منذ ستة وثلاثين عاماً حين وقعت الاتفاقية وأن الدبابات وقوات المشاة هي الحاسم الرئيسي للمعارك، فالصواريخ المصرية قادرة على ضرب تل أبيب من أقصى الجنوب المصري ولكن الأمر غير ذلك.
فالسلام بين مصر وإسرائيل والاتفاقيات بين الدولتين تمكنت من الصمود طيلة العقود الماضية حتى عندما وصل الإخوان المسلمون للسلطة أكدوا التزامهم بكامب ديفيد، وفي ذلك ما يكفي لإزالة المخاوف الإسرائيلية "هذا إذا كانت المبررات أمنية فعلا".
وبالتالي ليس لمصر أن تتعاطى مع المطالب الإسرائيلية وادعاء الهواجس وخصوصا حين يصبح أمنها القومي على المحك، فما يحدث في سيناء يراد منه إضعاف سيطرة الدولة المحدودة تمهيداً لازاحتها، وليس مهماً من يتواجد هناك، فإسرائيل قادرة على التعامل معه أو يصبح التدخل الإسرائيلي مطلبا، من يدري؟ ألم يطلب العالم والعرب تدخل الولايات المتحدة في الأراضي السورية ضد "داعش"؟
ولكن وسط هذه الأزمة المصرية التي يأمل كل الفلسطينيين أن تنجح مصر في معالجتها تظل مأساة الفلسطينيين على معبر رفح التي تحولت إلى التراجيديا الأطول، فكلما ضرب الإرهاب مصر فإن الفلسطيني المخنوق في غزة هو الضحية، إذ يعاد إغلاق المعبر، وهذه معادلة صعبة على الغزيين الذين لا أمل لهم ولا طريق نجاة سوى المعبر، على الدولة المصرية وهي تخوض معركتها أن تجد ممرا إنسانيا آمنا للفلسطينيين، فسورية يضربها الإرهاب أيضا ولكن مطار دمشق ومعابرها مفتوحة على مدار الساعة، وهذا جزء من هيبة الدولة وعلامات استقرارها، فتح معبر رفح هو أحد أبرز علامات السيطرة المصرية على هذه المنطقة وعدم استسلامها للإرهاب ..!
Atallah.akram@hotmail.com

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد