جوال

لا يوجد صفقة قرن مع الفلسطينيين بل مع العرب

رهام عوده

رهام عوده

كثيرا ما اكتظت وسائل الإعلام العربية و الفلسطينية ، بأخبار متواردة حول خطة السلام الأمريكية المقترحة لإنهاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي ، و التي تناولتها وسائل الإعلام العربية و الفلسطينية تحت مصطلح " صفقة القرن "، وتهافت المحللون السياسيون لمحاولة الكشف عن بنودها الرئيسية و خباياها وموعد إعلانها، ولكن كل ذلك كان بدون جدوى ، حيث باءت معظم محاولاتهم بالفشل، فإدارة ترامب لم تصرح رسميا ، و لا مرة عن وجود ما يدعى ب "صفقة القرن" ، بل إن مصطلح "صفقة القرن" هو اختراع إعلامي، تم نسبه للرئيس الأمريكي ترامب لأنه معروف برجل الصفقات، كونه كان بالسابق وقبل توليه منصب الرئاسة الأمريكية ، رجل أعمال كبير ، ومؤلف كتابه المشهور "فن الصفقة" .

لذا رسميا، و على صعيد الإدارة الأمريكية ، لم نسمع هذا المصطلح، بل كل ما نسمعه كان يدور حول محاولة تطوير خطة سلام أمريكية مقترحة من قبل صهر الرئيس الأمريكي كوشنر، ومساعده غرينبلات.

و يمكننا القول ، أن هذه المحاولة الأمريكية لتطوير خطة سلام بين الفلسطينيين و الإسرائيليين، لا تختلف كثيراً عن المحاولات السابقة لإدارة كل من الرئيسيين الأمريكيين كلنتون و أوباما ، و لكن بسبب غموض خطة سلام إدارة ترامب ، و بسبب نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب للقدس ، تم تضخيم تلك الخطة الأمريكية و إعطائها حجما أكبر من حجمها الحقيقي.

فهل فعلا وقع الفلسطينيين في فخ المصطلحات المبالغ بها ، وتم تضخيم المحاولات الأمريكية لاعداد خطة سلام بين الفلسطينيين و الإسرائيليين ، و تم إطلاق مصطلحات سياسية صاخبة لا تمت بصلة للواقع؟

هل يوجد فعلا صفقة قرن تريد أن تفرضها ادارة ترامب على الفلسطينيين ؟ و إن وجدت هل تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية فرض تلك الصفقة بالقوة على الفلسطينيين ، أم أن الموضوع هو مجرد زوبعه في فنجان قهوة ؟

للرد على تلك التساؤلات ، أعتقد أن ما تسعى إليه الولايات المتحدة الأمريكية بالواقع، هو صفقة سلام كبرى، لكن ليس بالضرورة بين الفلسطينيين و الإسرائيليين ، بل الاحتمال الأكبر أن تكون تلك الصفقة ، بين إسرائيل و بعض الدول العربية و بالأخص الخليجية ،وذلك لما له من أهمية إستراتيجية كبيرة في السياسة الخارجية الأمريكية ، حيث باتت الولايات المتحدة الأمريكية تستغل العداء المشتعل بين إيران و الدول الخليجية الكبيرة من أجل إقحام إسرائيل في العلاقات السياسية و الأمنية العربية، تحت مبرر بأن إسرائيل لديها عدو مشترك بينها و بين العرب ، ألا وهو إيران.

كل تلك العلاقات المتوترة بين العرب و الإيرانيين، جعلت الولايات المتحدة تستغل الغضب العربي من إيران، من أجل الترويج لسلام بارد بين بعض الدول العربية و إسرائيل، تحت شعار "عدو عدوي هو صديقي".

لذا يمكننا القول، نعم هناك صفقة قرن أمريكية، و لكن ليس بالضرورة أن يكون المقصود بها فرض حل سياسي على الفلسطينيين، بل هي صفقة عربية – إسرائيلية لمحاربة النفوذ الإيراني في المنطقة.

و أكبر دليل على ذلك هو مؤتمر وارسوا ، الذي تم عقده بشكل علني في بولندا خلال شهر فبراير 2019 ، بمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتاياهو، و مشاركة علنية من قبل بعض وزراء خارجية ومسئولين رفيعين المستوى من اليمن و البحرين و الامارات و السعودية و سلطنة عمان.

أما بالنسبه للقضية الفلسطينية ، فللأسف ، لقد باتت قضية ثانوية في الشرق الأوسط في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني ، و الصراع المشتعل باليمن، و توسع النفوذ الإيراني بسوريا و لبنان، ومحاولة تمكين العراق سياسيا و أمنيا لضمان عدم عودة داعش إليها.

كل تلك الأوضاع السياسية و الأمنية المضطربة بالشرق الأوسط ، جعلت القضية الفلسطينية بأن لا تكون من ضمن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، و أكبر دليل على ذلك قطع الولايات المتحدة الأمريكية معظم مساعداتها الإنسانية و الأمنية للشعب الفلسطيني و السلطة الفلسطينية، وعدم اكتراث إدارة ترامب بالرفض الفلسطيني المستمر للتفاوض مع إسرائيل حول خطة سلام جديدة حسب الشروط السياسية و الأمنية لإسرائيل.

إنه من الواضح جدا ، أن كلا من الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل ، يعتقدان أن السلام العربي أهم بكثير من السلام الفلسطيني – الإسرائيلي ، على الأقل في هذه المرحلة الحرجة ، التي يتم خلالها إعادة رسم الخريطه السياسية للشرق الأوسط ، ومحاولة محاربة النفوذ الإيراني في المنطقة.

وعلى ما يبدوا ، أن كلا من ترامب و صديقه المقرب نتاياهو ، يعتقدان أن السلام الفلسطيني سيكون مجرد تحصيل حاصل لسلام عربي كبير، قد يتحقق خلال بضعة سنوات، عندما تضمن الولايات المتحدة الامريكية موافقة العرب الرسمية على التحالف بشكل علني مع إسرائيل من أجل محاولة إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة ، وعندما أيضاً، يطرأ ربما تغيير بقائمه اللاعبين السياسيين الرئيسيين في الساحة الفلسطينية الحالية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية