جوال

بمطرقة ومنشار.. آية كشكو تقتحم كوكب الرجال

آية كشكو تقتحم كوكب الرجال

آية كشكو تقتحم كوكب الرجال

غزة - سوا - آية صبيح

رسمت على وجهها ابتسامة عريضة قبل أن تدخل محلاً خاصاً بأدوات البناء، اتجهت نحو إحدى الزوايا حيث يقف صاحبه وهو يحاول إخفاء دهشته "فهذه أول مرة يدخل محله امرأة".

قال في نفسه "لعلها دخلت هنا بالخطأ"، ثم استمر يتابعها وهي تجول بناظريها يميناً ويساراً بحثاً عن بغيتها، التفتت نحوه فجأة وبحروف واثقة طلبت :"علبتان من براغي الخشب بطول 25 ملم، وعلبة من دهان "اللاتكس"، وخمسة شرائح من خشب المشاطيح" كما يطلق عليها أهل الصنعة في مدينة غزة .

كان يحاول أن يتأكد أن ما يسمعه "صحيح"، فهو حتى ما بعد انتهاء كلامها كان يقنع نفسه بأنها دخلت محله بالخطأ، لتقطع عليه خط خياله مبتسمةً وهي تقول :"الظاهر اللي طلبته مش موجود عندك يا عمو"، ليناديها فوراً بصوتٍ متلعثم :"بلى بلى عمو، تفضلي".

آية كشكو (26 عاماً) خريجة قسم الهندسة المعمارية في الجامعة الإسلامية لعام 2014م، دفعت ثمناً للأغراض التي طلبتها كل ما تملك، لتصنع بها تحفةً من "الأنتيكا" رسمتها بإتقان داخل ورشتها الخاصة لصناعة الخشبيات والأثاث الفريد.. ماذا يعني أن تدير شابة مكاناً أشبه بورشةٍ للنجارة في قطاع غزة؟ تفاصيل القصة ستجيب:

خطة مدروسة

كانت آية تحلم منذ نعومة أظفارها بأن تكون طبيبة أطفال ناجحة يصل صيتها إلى العالمية لولا أن معدل الثانوية لم يسعفها بدرجاتٍ قليلة، فقبلت بالهندسة كون الرسالة شبيهة :"الطبيب يعالج المرضى، والمهندس يبني لهم المستشفيات".

الدراسة كانت معقدةً جداً في عام الهندسة الأول مقابل حلم الطب الذي كان يتلخص في عقلها بإبرة وقطن وشاش جروح، لتفاجئ الجميع بعد خمس سنوات بحيازتها المركز الأول على دفعتها، الأمر الذي أهلها لتصبح معيدة في الجامعة والقسم نفسه.

أما حكاية المنجرة، فبدأت لما أصبحت آية مشرفةً على إحدى مشاريع المنطقة الصناعية "بديكو" للأثاث الريفي والتراث، فلاحظت كميةً كبيرة من المنصات الخشبية ملقاة جانباً، "مهملة" و"متسخة"، راودتها في ذلك الوقت فكرة :"كيف يمكن أن أحول هذه المهملات المضرة بالبيئة إلى شيء مفيد يساعد البيئة؟".

في العام 2017م أطلقت آية مشروعاً كان يهدف بالإضافة إعادة تدوير الخشب النافق لتوفير قطع أثاث بأسعار مقبولة يمكن أن تقتنيها بعض البيوت الغزية متدنية الدخل.

بدا الأمر جنوناً -إلا في نظر والديها- اللذان كانا يؤمنان بأن آية قبل أن تقدم على أية خطوة، تكون واثقةً من نجاحها فيها، حالةٌ من الاستغراب والدهشة بدت على وجوه النجارين الذين بدأت بالتعامل معهم، لتزول تلك الحالة بمجرد أن تحدثهم بلغة ومصطلحات المهنة، فيوقنون بأنها على دراية تامة بما تريد أن تشتريه من محالهم، بل وربما متمرسة في المجال أيضاً.

لم تكترث آية لكل المثبطات، كان كل ما يهمها أن تجد إجابة "نعم" لسؤال يراودها كل لحظة :"هل سأنجح فعلاً؟".

بعد أن لمس الجميع جديتها في العمل، وقدرتها على إنتاج قطع الأثاث ذات التصميمات المميزة بجودة عالية، ومن خلال التسويق لمنتجاتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" و"انستغرام"، بدأ الطلب على منتجات ورشتها يزداد، هدايا، وقطع أثاث قد تصل إلى طاولة طعام كبيرة بستة كراسي أو ثمانية!

الجدول اليومي

تتوجه آية مساء كل يوم إلى ورشتها أسفل بيتهم في حي الزيتون شرق مدينة غزة، تتجه نحو سبورة كبيرة معلقة في صدر المكان، تمسك قلم التخطيط وتبدأ برسم الأشكال الهندسية التي تريد تصميمها، لتبدأ فوراً ببناء الهيكل الأولي لقطعة الأثاث التي قررت أن تحول بعض المنصات الخشبية إلى شكل مطابق لها.

تستخدم آية المنشار الكهربائي لقص الخشب، تتناثر على وجهها وملابسها النشارة، فترفع كفها وتمسح عن جبينها وعينيها ما استقر عليهما منها، ثم تكمل برد القطع بجهازٍ آخر لتنعيمه وصقله قبل أن تبدأ بمرحلة دهانه لإعطائه لمعة.

تضع الفتاة قطع الخشب جانباً حتى تجف، وتبدأ بترتيب المكان قبل أن تعود إلى البيت، وتخلد للنوم وهي تفكر : "كيف سأسوّق للقطعة بمجرد أن أنتهي منها؟".

نجاح فريد

لم تقتصر آية في سجل إنجازاتها على منتجات الورشة، ومردود البيع وحسب، بل شاركت بمسابقات عديدة وحصلت على مراكز متقدمة فيها، حيث كرمت في مسابقة تحدي اليابان "الحلول الخضراء" عام 2018 , حيث حصلت على المركز الأول من بين 15شخص مرشح لهذه الجائزة، وحصلت على لقب أفضل امرأة ريادية في فلسطين والوطن العربي..

تحلم آية بأن تمتلك مصنعها الخاص لإعادة تدوير المنصات الخشبية في غزة وإنعاش أفكار المجتمع بإمكانية عمل المرأة بأي مهنة، والابداع فيها ولو بأبسط الأشياء..

الأحلام حينما تقترن بهدف، وتسير وفق عمل مدروس، وتتوج بالإبداع والتميز.. لا يمكن أن تتعثر، الأحلام في هذه الحالة فقط تصبح مارداً ينتصر على عوائق التمويل، وقيود المجتمع. وهذا تماماً هو ما حدث مع آية.


الأخبار الأكثر تداولاً اليوم