جوال

هل يوصل قلم الفحم 'آدم' إلى البرلمان البريطاني؟

رسومات آدم

رسومات آدم


غزة - سوا - ربا كُلاب

علت أصوات أبناء الجيران تنادي "آدم" من أسفل نافذة منزله : "تعال إلعب معنا كي يكتمل الفريق.. يا آدم.. آدم"، لكنه لم يجب.

من داخل المطبخ صدح صوت أمه تقول :"رد على صحابك يا ابنيي فزّعوا الحارة". لمّا طال رد الصغير ابن الأعوام الخمسة ساورها القلق سيما وأنها تركته للتو يشخبط فوق أوراقٍ نثرها حوله على الأرض.. ذهبت إليه تسأل :"شو بتعمل؟"، فلم يجبها إلا بإشارةٍ من كف يده "لا تكلميني، دعيني أركز.. أرجوكِ".

اقتربت أمه على أطراف أصابعها فإذا به يرسم على ظهر دفتر اللغة العربية يده! رسم يداً حقيقية بخطوطٍ قوية تجاوزت عمر صاحبها بمراحل، أدق التفاصيل: مسامات الجلد وخطوط بطن الكف وتعرجات الأصابع وانثناءات المفاصل، بل وبظلٍ ونور! تسللت أمه المذهولة نحو الخارج وقد أيقنت أن في بيتها وُلِد فنانٌ ثانٍ لربما تتفوق ريشته على ريشة أبيه رسّام الطبيعة الحية.

الفنان "آدم شحادة" (27 عاماً) الحاصل على شهادة البكالوريوس في إدارة الأعمال باللغة الإنجليزية، يُعرف وسط أبناء حيه "الزيتون" قرب الحدود الشرقية لمنطقة شرق قطاع غزة برسام "الحياة"؛ كون من يرى لوحاته التصويرية لا يمكن إلا أن يعتقد أنها صور فوتوغرافية لدقة تفاصيلها وجرأة خطوطها..

كيف ترعرع هذا الفن وسط النار والصواريخ والقنابل هنا؟ وكيف رسم قلم الفحم لآدم طريقاً افتراضياً نحو "برلمانات أوروبا" - شرطَ تجاوز معيقات الحصار؟ دعونا نعرف معاً:

"أنمي" ثم كاريكاتور..

بعد الخامسة، بدأ آدم يكتشف ذاته شيئاً فشيئاً، بدأ يعرف أن حركة أنامله وهي تعانق أقلام الرصاص لا تشبه أبداً حركة أنامل أقرانه، كان يقلد كل رسمٍ يقع تحت ناظريه في صفحات الكتب أو على أغلفة الدفاتر الجديدة.. ثم انتقل إلى تقليد الرسوم الكاريكاتورية التي كان يطالعها في آخر صفحات الجرائد، ليقفز بعدها إلى رسم "الأنمي" (الشخصيات الكرتونية) التي كان يفضلها كطفل.

يعلق مبتسماً بعد أن غاب بذاكرته في ثنايا تلك المرحلة :"لم تخلُ صفحات كتبي ودفاتري المدرسية من رسومات "الأنمي"، وكان يوصيني أصدقائي الذين يصغرونني بعام أو عامين أن أحتفظ بدفاتري تلك كي يأخذوها عندما يصلون إلى نفس المرحلة الدراسية لما كانت تحمله بالإضافة إلى المعلومات من مشاهد جمالية جذابة ت فتح القابلية للدراسة والمذاكرة".

بدأ مسار "آدم" الفني يرتقي شيئا فشيئاً، عندما انتقل إلى رسم المشاهير والفنانين الذين كان يحبهم، لتبرز مهارته في تجسيد كل التفاصيل الدقيقة للوجه والعينين وتبعاتهما من خطوط العمر والظل والنور، فكانت لوحاته كأنما تنطق بالحياة، إلى أن جاء عام 2008م.

حرب شعواء شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة لمدة 29 يوماً ما قبل نهاية ديسمبر. عائلة آدم كغيرها من عائلات المنطقة قررت النزوح! ترك آدم خلفه مرسمه الصغير وأدوات الرسم كلها وأحلامه التي لم يجد وقتاً للملمتها قبل الغياب.

واحدٌ وعشرون يوماً عاد آدم بعدها يجمع شتات روحه، وقرر أن يفتح قلبه لهدف الفن الأسمى :تسخير الموهبة في خدمة الوطن والقضية.

بات يرصد في ذهنه كل ملامح الحياة في وجوه من يراهم، ألم أو مأساة أو أمل، ثم يمطر بالتفاصيل الخصبة أوراقه، لينبت بين يديه "غرس الفن" الذي لا يظمأ من عايشه بعد ذلك أبداً.

"شموعٌ لا تنطفئ"

لم يكتف آدم بموهبته وفنه لتحقيق ما يسعى للوصول إليه، فدَرَسَ اللغة الإنجليزية ليتمكن من مخاطبة الرأي العام العالمي من أجل أن يقدم لهم فنه وتفاصيل قضيته العادلة كما يقتنع ويؤمن.

يعلق بالقول :"تمكنتُ من التواصل مع كبار الفنانين البريطانيين في الحركة الواقعية عبر العالم أمثال "كيلفن أوكافور" و "سمانثا ميسياس" الذين أثنوا على فني ولوحاتي بشكل كبير وطرحوا علي فكرة إنتاج معرض فني في بريطانيا يسلط الضوء على تفاصيل الحياة الإنسانية في فلسطين" .

ويكمل :"هذا شجعني بعدها للتواصل مع شخصيات بريطانية وازنة، لأحصل على دعوة رسمية من أحد أعضاء البرلمان البريطاني الذي أبدى إعجابه وإيمانه بالموهبة، من أجل إقامة معرض خاص يتكفلون هم –البرلمان- بتأمين متطلبات حجزه ومكانه ليضم عدداً من لوحاتي التي تحكي عن القضية الفلسطينية".

عزم آدم على المشاركة بـ 11 لوحة، كلها تمزح بين الألم والأمل، وتحمل في طياتها رسائل القضية كما يستوعبها الغرب، أسمى مجموعته تلك :"شموع لا تنطفئ"، وقبل أن يقفل على حلمه الحقيبة اصطدم بواقع الظروف المادية الصعبة.

آدم ابن عائلة مستورة لا يمكنها توفير تكاليف السفر والإقامة في بريطانيا –ولو حتى لشخصٍ واجد، طأطأ آدم رأسه وهو يحاول أن يبتلع الغصة المختبئة بين زوايا صوته حين قال :"طلبت تأجيل المعرض أكثر من مرة وهذا يعني .."، صمت برهة ثم تابع بنبرة أسى :"هذا يعني أنني لن أتلقى هذه الدعوة مرة أخرى".

تحقيق الحلم..

أصيب آدم بعدها بحالة من اليأس ودخل في فترة اكتئاب مقيته، ولكن ما لبث حتى عاد دعم الأصدقاء والفنانين في بريطانيا مرة أخرى يشدد عضده ويستثير همته، بابتسامة أمل يقول: "كررت المحاولة مرة أخرى ووسعت دائرة علاقاتي حتى حصلت على دعوة مفتوحة من قبل أعضاء البرلمان البريطاني للحضور إلى بريطانيا وإقامة معرضي الخاص في الوقت الذي أستطيع فيه تحصيل المبلغ المطلوب".

يرسم آدم واقع فلسطين: طفلٌ خائف، وعجوزٌ تعاند عيناه اليأس بينما يفكر في العودة لقريته المهجرة.. ضحكاتٌ تحت القصف، ودمى تحتضر تحت الركام، وكلها بدقة خطوط وظل عالية. ويستخدم في التلوين أقلام الرصاص والفحم وحسب.

لم يركن آدم للظروف المادية السيئة، وأعلن انطلاق حملة لتمويل مشروعه الفني الذي يتحدث في مضمونه عن القيم الإنسانية النبيلة عبر موقع التمويل المعروف " انديجوجو" " Indiegogo ".. هو ينتظر الآن فقط تحقيق حلمه، أن يصدح بفنه –الذي عاش تفاصيل الموت في مهده (من حرب إلى انقسامٍ فحصار) خارج حدود فلسطين؛ ليحكي عن وطنه أمام كل من لم يسمعوا جنازير الدبابات، وأصوات المركبات العسكرية الإسرائيلية وهي تحوم على تخوم القطاع.. فهل يأتي اليوم الذي سيتمكن فيه من تحقيق حلمه؟


الأخبار الأكثر تداولاً اليوم