جوال

الرومانسية السياسية

رهام عودة

رهام عودة

لن تتحرر فلسطين بأغنية لفيروز ، و لا برقصة دبكة لفرقة شعبية ترقص على أنغام ثورية ، و لا ببيت شعر لفتى حالم يتحدى الاحتلال ، و لا بحجر بيد فتاة ملثمة كحيلة العينيين، و لا حتى بسكين فاكهة يُستخدم لتقطيع التفاح .

إن فلسطين لن تحررها الكلمات الثائرة و لا الشعارات الرنانة التي تُروج لها معظم الفصائل السياسية الفلسطينية ، و لن تتحرر بالغضب و المشاعر الجياشة و دموع الثكلى و الأرامل عبر شاشات الفضائيات العربية.

فقضية التحرر ليست مجرد مقطع سينمائي لفيلم مصري قديم ، يُصور فاتن حمامة كناشطة سياسية ثائرة، وهي توزع المنشورات السياسية سرا بعيد عن أعين الاستعمار الانجليزي، و ليس مسلسل تاريخي يحاكي انتصارات صلاح الدين الأسطورية ضد الصلبيين، و ليس أغنية عربية لجوليا بطرس تجعل المستمعين يحلقون في السماء، و يشعرون بنشوة الانتصار .

فلسطين لن تتحرر بالبكاء على الأطلال ، أو بتحميل العالم مسئولية الفشل الفلسطيني لتحقيق الحرية و الاستقلال ، فبكل بساطه فلسطين لن تتحرر بالرومانسية السياسية التي تروج لها معظم الفصائل السياسية الفلسطينية ، و التي لديها قناعة كبيرة أن الوسائل التقليدية و القديمة التي يستخدمها الفلسطينيون في التعبير عن احباطهم و يأسهم من استمرار الاحتلال ، سوف تجلب لهم النصر وتحقق لهم حلم الاستقلال.

إن الشعب الفلسطيني لن يصل إلي النصر الحقيقي، طالما استمر بإنكار مسئوليته ومسئولية قادته عن الفشل السياسي الذي يعيشونه منذ عدة عقود . فلابد أن يكون هناك عملية إعادة نظر و تقييم، لما وصلت إليه القضية الفلسطينية من تهميش و تراجع على كافة المستويات العربية و الدولية.

فقد باتت القضية الفلسطينية ، مجرد قضية ميئوس منها يتهرب معظم قادة العالم من التعامل مع ملفاتها ، و تنال شفقة بعض المتضامنين الأجانب.

لابد لنا كشعب فلسطيني، أن نقوم بعمل وقفه حقيقية مع الذات ، و ليس فقط وقفه احتجاجية أمام أحد مباني الأمم المتحدة !

إن ما نلاحظه من طريقة تفكير شبابنا الفلسطيني، و أطفالنا بأنهم يضحون بحياتهم بشكل عشوائي بسبب حماس هم الوطني و عجزهم عن إيجاد حلول للأزمات السياسية الداخلية، يجعلنا هنا نقف و نعيد التفكير بأسلوب التضحية بالنفس دون نتيجه ، أو أثر حقيقي في عصر أصبح به شباب العالم أكثر تمسكا بالحياة .

فالاستمرار بالعيش و الصمود بالحياه في ظل حصار مشدد ، و احتلال غاشم، هو أكبر مقاومة للشعب الفلسطيني الذي يحاول بشتى الطرق المحافظة على جيناته من الانقراض في قبور الموت ، و يحاول أن ينشر هويته الثقافية و الوطنية في كافة أنحاء العالم.

إن فلسطين تحتاج للأحياء الأقوياء، أكثر من الموتى الذين فقدوا حياتهم بسبب حسابات سياسية خاطئة ، و بسبب الاستهتار بقيمه حياتهم الثمينه في بناء الوطن ، فهم كانوا سينفعون وطنهم أكثر وهم أحياء مناضلون، عن طريق العمل على نشر العداله و حقوق الانسان في سبيل الوصول للحرية المنشودة.

علينا كفلسطينيين أن لا نقبع فقط في أقبية الماضي ، بل نفكر بحاضرنا و كيف يمكن أن نحسنه و نجعل منه بستنانا للمستقبل ، مستقبل لدولة فلسطينية مستقله وديمقراطية ، بدلا من أن نبقى معلقين بين الماضي و الحاضر ، لا نستطيع أن نسامح و نغفر أخطاء التاريخ و في نفس الوقت لا نستطيع أن نعيش حاضرنا.

فحياتنا هي حياة معلقة بين الماضي و الحاضر، دون وجود لأية أفاق لمستقبل مشرق و زاهر، يمكن أن يضمن لنا عدم الانقراض و المحافظة على هويتنا الفلسطينية و على روح الحياة و الأمل .

أصبح أطفالنا يشعرون بأنهم رجال ، و أصبح شبابنا يشعرون بأنهم شيوخ ، لا أحد يعيش عمره الحقيقي بسبب كثرة الهموم و الاحباطات .

لذا يجب علينا أن نتخذ أهدافاً واقعية ، بعيدة عن قصص البطولة الخيالية التي نرويها لأطفالنا عند النوم ، يجب أن نفكر بشكل منطقي وواقعي ، فبناء الوطن و تحريره لا يحتاج إلي مشاعر ثائره بل يحتاج إلي عقول ثائرة ، تثور على الظلم و البطاله و الفقر و الجهل و المتاجرة بالدين و أرواح البشر.

هذا ما نحتاجه من أجل تحقيق حلم الحرية ، و ليس الرومانسية السياسية المروية ضمن الروايات الأدبية و بيوت الشعر العربية.

نحتاج إلي يقظه كبيره في عقولنا و ضمائرنا من أجل إنقاذ ما يمكن انقاذه ، قبل أن يتحول ما تبقى من الشعب الفلسطيني إلي مجرد رماد يتطاير من النيران التي حرقت حياة شبابه و أطفاله و نسائه و شيوخه و رجاله بسبب الحسرة و اليأس و قلة الحيلة .

لننظر نظرة عميقة إلي داخلنا ، و نكتشف المؤامرة الداخلية التي نُحيكها ضد أنفسنا ، قبل أن نتهم العالم الخارجي بأنه هو من يتأمر علينا !

لنفكر خارج الصندوق، و نتصور أنفسنا أننا نقف فوق القمر ، ننظر من السماء على وطننا المجروح، لنرى مشاكلنا من الخارج على حقيقتها بدون تجميل أو مبالغه ، عندها سنكتشف أننا نحن المشكلة ، و نحن من جعلنا أنفسنا ضحية لكل شيئ، بسبب الجهل و الغرور ، و عدم قدرتنا على كسب الاصدقاء، و سوء تخطيطنا السياسي الذي جعلنا نكتسب مزيد من الأعداء ، و استسلامنا لمشاعرنا الثائرة بدون أن نتحكم بكمية غضبنا السياسي، حتى نستطيع أن نقنع العالم بحجج قوية، تُثبت حقنا بتقرير المصير و الحرية والتحرر من الاحتلال و نيل الاستقلال.

فالعالم يتغير ، و الشعوب تتوحد، و الحواجز تُزال ، ونحن مازلنا محشورين في بقعة أرضية صغيرة ، لا نستطيع حتى أن نتحكم بها، أو أن نحدد حدودها النهائية.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية