التعليم من التقليد إلى خارج السرب، بقلم : أحمد البطة
نظرة فاحصةٌ واحدة من أي مواطنٍ كافية لتكشف مدى الانتكاس الذي نعيشه في حياتنا على جميع الجبهات والمجالات ، ولو أردنا أن ن فتح نافذة الحل وشمس الإشراق ليس لنا خيار سوى التعليم !!
التعليم هو قاعدة بناء الأمم ودافعة الإبداع لأي مجتمع, وهو الأساس لأي مجتمع ومحور قياس تطوره وحضارته. ويأتي التساؤل الآتي:
هل لدينا منظومة تعليمية في مجتمعنا تراعي حاجات المجتمع الإستراتيجية؟!
نعم, لدينا نظام تعليمي قائم ولكنه بحاجة إلى ترميم وإصلاح فليس كل من قال عن نفسه معلماً هو معلم ، وليس كل من تعلم قد صار محركا فاعلاً وإيجابياً في دائرة المجتمع. فمنظومتنا تشتكي من ضعف في مناهجها وطرق تدريسها ، ناهيك عن ضعفٍ في قدرة الطواقم التدريسية وليس انتهاءً بنظام التلقين.
ومن خلال الإطلاع على تجارب عديدة للدول المتقدمة, نجد أنهم يسعون دائما إلى تطوير وتحديث أنظمتهم التعليمية ومناهجها وقيمها بما يواكب تطورات وتغيرات وسياقات مجتمعاتهم, ومن أوائل الدول التي حصدت مراتب متقدمة في التعليم فنلندا وسنغافورة واليابان وألمانية. ونجد أبرز ما يميز مناهج هذه الدول هو منهج التعليم التحرري.
التعليم التحرري ليس مخصصاً بالتعليم المدرسي وحسب؛ بل هو نظام حياة للمجتمعات, ولا يشترط أن يمارس داخل أسوار المدرسة بل إنه يسعى للتحرر من هذه الجدران ليكون منهج تعلم حياتي. ينمي هذا النهج من التعليم روح الإبداع ويطلق العنان للرقي الإنساني والحضاري لدى المتعلم. يعزز هذا النوع من التعليم مشاركة المتعلم ويجعله المحور الرئيس لأي عملية تعلمية, بحيث يكون مشاركاً في التخطيط والتطبيق وأيضا تقويم تعلمه وتقدمه. هنا يكون المعلم مجر موجهاً ومحركا للتعليم, يتيح المساحات ويفتح الأفق من الحرية ليعبر الطالب ويمارس مهاراته وخبراته ومواهبه واهتماماته وتتطور بالتفاعل مع البيئة المحيطة سواء كانت داخل المدرسة أو خارجها.
المفكر والمعلم الفلسطيني خليل السكاكيني, أوجد في مدرسته هذا النهج التعلمي وطبقه مع تلامذته, فأخرج لنا مجموعة منهم ممن يقودون هذا الفكر التحرري ويسعون لنشره من خلال عملهم كمعلين ومفكرين في أماكن تعليمهم للطلاب ومشاركاتهم المجتمعية.
ولو أبحرنا قليلاً في محيط منهج السكاكيني فنراه قد ربط علمه بقضايا وطنه ، واعتبر التلميذ إنسان جديراً بالاحترام فلم يعامله بنظرة المعلم إلى الطالب بل كان يهدف لجعلهم أدباء ومفكرين ومعلمين فلم يكن ينتظر حفظهم المعادلات بقدر حرصه على جعلهم يفككونها ويتعلمون روابطها وأركانها ، وكان يريد خلق جيل متعلم وواعي يصل إلى المعلومة دون أي ضغوط ويشارك في صناعتها بمنهج جديد ابتكره السكاكيني بعيداً عن التقليد ، فلم يكن يستخدم التقييم والعلامات والحضور كمعيارٍ لقياس تقدم الطالب.
ومن جمال أعماق السكاكيني إلى شاطئ حرية فريري الذي حارب الظلم والتهميش ، فاهتم بالتعليم الذي اعتبره سلاح ذو حدين إما وسيلة "للقهر" أو "طاقة للحرية" ، فأخطر أعداء فريري هو "التعليم البنكي" كما أطلق عليه وعرفه بأنه التعليم القائم على التلقين ، وإلغاء روح الفرد والضغط وتكريس العبودية لفكرة الملقن كما الأحزاب السياسية ، فدعا إلى الثورة والتحرر فمنهجه ، يقوم على الحوار والتفاهم وتقنين دور المعلم الذي ، يقتصر على الأسئلة لتعزيز حرية الرأي والتعبير بعيداً عن تكميم الأفواه ، فانتشل بذلك دولته من الفقر والأمية ليبني دعائم دولة قائمة على العدل والحرية.
لعل هذه التجارب وغيرها, والتي تعتبر نموذجا يحتذى به في المجتمعات وخصوصاً تلك التي تخضع للاستعمار والاحتلال, هي ما نحتاجه في واقعنا الحالي, في ظل وقوع مجتمعنا تحت الإحتلال والعديد من الصراعات المتلاحقة. إضافة لهشاشة ثقافة المجتمع والعملية التربوية القائمة في الأسرة والمدرسة والتي تعاني من عقم بعض الموروثات والتقاليد والتي تسب بشكل مباشر إة غير مباشر في إعاقة تحقيق المساواة في التعليم وخصوصا بين الذكور والإناث في المناطق المهمشة, وضعف تقبل الآخر وثقافة الحوار والتسامح. ومما حيث ما لا يمكن تجاهله هو أشكال العنف في المدرسة والمجتمع عموما كالتنمر والاعتداء وغيرها.
لذلك, نحن في أمس الحاجة للخروج من أسلوب التعليم البنكي الذي كان وما زال يكرر نفسه وأساليبه وطرائقه, إلى تعليم تحرري لا يحتاج بالضرورة إلى الجهد الهائل من البذل, بل يحتاج إلى بناء فكر واعي لدى معلمين ومسؤولين يقومون من خلاله بنقل النهج التعلمي القائم على بناء فكر ناقد واعي لدى المتعلم ويمارس حريته في التعلم والمشاركة والاطلاع والبحث, ليكون قادر على التطور والإبداع , ومن ثم الحصول على مواطن صالح يعتبر محركا في عجلة التنمية المجتمعية.
_____________________________________________________
ترجع مسؤولية محتوى هذا المنشور لمؤسسة بيت الصحافة, ولا يعكس بالضرورة موقف مؤسسة روزا لوكسمبورغ
مشروع خطوة نحو تعليم أفضل- تنفيذ بيت الصحافة – فلسطين وتمويل مؤسسة روزا لوكسمبورغ الألمانية
