جوال

لماذا نموت في سبيل القدس ولا نعيش من أجلها ؟

رهام عودة

رهام عودة

نموت نموت وتحيا القدس  وعلى القدس رايحين شهداء بالملايين، تلك عبارات أسطورية، لا أحد ينكر مدى حجم المشاعر الوطنية الثائرة التي يمتلكها مرددي هذه الشعارات الكبيرة الرنانه، التي تدل على أن أصحاب هذه الشعارات ،هم أشخاص وطنيون ، لا يبخلون عن وطنهم بأرواحهم، أو بأي قطرة من دمائهم في سبيل وطنهم و تحرير القدس ، العاصمة المقدسة للشعب الفلسطيني في كل زمان ومكان.

عند سماع تلك الشعارات ، خاصة من قبل قادة الفصائل الفلسطينية السياسية ، يكاد ينتابك شعور كبير ، بأن هؤلاء القادة ليس لديهم ما يخسرون ، و أنهم يضحون بكل شيئ في سبيل إيمانهم أن كل شيئ رخيص ، و لا يساوى أي ثمن في الحياة، من أجل الهدف الأعظم ألا وهو القدس.

وتفسيرا لتلك الشعارات ، نستنتج أنه ليس مهماً ، كم من الشهداء الفلسطينيين قد يذهبون في كل معركة مع إسرائيل، و ليس مهماً، كم عدد الجرحى و المصابين قد يقعون نتيجة الاشتباكات مع قوات الجيش الإسرائيلي ، و ليس مهماً، كم من بيت فلسطيني قد يتم هدمه من أجل معركة الشعب الفلسطيني السرمدية مع إسرائيل حول القدس.

و ذلك بسبب وجود هدف كبير لا يُقدر بثمن، ألا وهو تحرير القدس من قبضة الاحتلال الإسرائيلي و من ثم إعلانها عاصمة أبدية للدولة الفلسطينية.

هكذا يفكر معظم القادة الفلسطينيون على مر التاريخ ، بدءا من الحاج أمين الحسيني ، مرورا بالزعيم الراحل ياسر عرفات، حتى عصرنا هذا في ظل قيادة الحركات السياسية الإسلامية الفلسطينية.

إن القدس كانت ومازالت جوهرة فلسطين ، و هي أساس الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي ، ففيها المسجد الأقصى ، مسرى النبي و أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفيين، لذا لا أحد يستطيع أن ينكر الأهمية الدينية الكبرى للقدس عند جميع مسلمي العالم.

إن فلسطين بدون القدس لا يمكن أن تسمى فلسطين ، حيث أن فلسطين تستمد أهميتها و قيمتها التاريخية من عاصمتها القدس الشريف.

لكن بغض النظر عن عظمة وقدسية قضية القدس بالنسبه للشعب الفلسطيني ، لا يمنع ذلك من طرح عدة تساؤلات جوهرية حول طبيعة أدوات النضال التي يستعملها الشعب الفلسطيني من أجل تحرير تلك العاصمة المقدسة، وعن الحاجة لتشكيل معادلة سياسية جديدة و شعارات سياسية جديدة تُقوي من عزيمه الشعب الفلسطيني، و تعزز من صموده في أراضيه المحتلة.

فعلى سبيل المثال ، لماذا لا يكون شعارنا كشعب فلسطيني من أجل القدس على الشكليين التاليين :

" نعيش، نعيش وتحيا القدس " ، أو "على القدس رايحين أحياء بالملايين"

لماذا لا يكون تحرير القدس في سبيل حياة الشعب الفلسطيني الكريمه و ليس العكس ؟

لماذا نريد أن تكون القدس شعاراً للموت و ليس للحياة ؟

ألا يوجد وسيلة أخرى نستطيع أن نحرر بها القدس، ونحن أحياء و أقوياء و ليس مجرد موتى و ضحايا لرصاص الاحتلال الغادر ؟

فإذا مات ملايين من الشعب الفلسطيني من أجل القدس، من عندئذ سيحتفل بتحريريها ؟ ، هل ستُبعث أروح الملايين من الموت مجدداً قبل يوم القيامه، و تحتفل تلك الأرواح بتحرير القدس؟ أم أن القدس ستكون بحاجة لشعبها الحي لكي يحتفل بتحرريها ؟

القدس ستتحرر بتقوية صمود شعبها الحي ....

القدس ستتحرر بزراعة بذور الأمل و الحياة في أحيائها القديمه ....

القدس ستتحرر عندما يناضل كافة أبناء الشعب الفلسطيني من أجل الحياة العادلة و الكرامه الانسانية عن طريق اعتماد معادلة تحقيق الربح الانساني و تخفيض الخسائر البشرية بأكبر قدر ممكن...

القدس ستتحرر بالعلم و الحضارة و التسامح و الوعي السياسي الناضج...

القدس ستتحرر عندما نضحي بوقتنا وتفكيرنا و جهدنا من أجل الحياة في سبيلها، ومن أجل بنائها و تطويرها و ليس فقط الموت في سبيلها و التضحية بأجسادنا و دمائنا...

القدس ستتحرر عندما نعترف بأخطائنا التاريخية، و نخلع عنا ثوب الضحية الدائم، و نتحمل مسئولية فشلنا...

لقد حان الوقت لكي نعيد التفكير و لو قليلا بالشعارات السياسية الرنانه التي نُرددها بدون وعي أو أدنى تفكير، أو تمعن بمعانيها ، فنحن أبناء الحياة و على هذه الأرض ما يستحق الحياة !

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية