بكلمات بسيطة، وواعية، حول ما يحدق من أخطار عديدة على القضية الفلسطينية، وعلى المصالحة الفلسطينية تحديدا، نؤكد بان القول بالتأثير المطلق على الاطراف الفلسطينية من قبل القوى الاقليمية والدولية يجانبه الصواب، وقد اثبت ان هذا التاثير هو هامشي، وياتي في مرتبة تالية للارادة الوطنية لكل حزب فلسطيني، وكان يعتبر مجرد ذريعة للهروب من هذا الاستحقاق و كنوع من التراشق الإعلامي وكيل الاتهامات فقط. وقد اثبتت الفواعل الفلسطينية المتمثلة في فتح و حماس بان بمقدورهما ان تحدد ما تشاء من أنماط سياسية وقرارات. وباتت أسباب الخلاف آخر ما يتذكره الطرفان، حيث المشكلة تكمن الآن فيما هو قادم، وكيف سيتعامل العالم مع هذه الحكومة، وكيف ستسير هذه الحكومة التي تضم بين جنباتها بعض المتناقضات التي تأسس عليها هذا الانقسام ودام سبعة أعوام، ومهما كانت أسباب التقارب بين الاخوة ( حماس وفتح)، فان هذه الخطوة وان جاءت متاخرة الا ان الوصول إليها يسد باباً عريضا، دخل منه كثير من مسببات الفرقة وعوامل إطالة أمد الانقسام، إضافة الى تباعد لعبت فيه الفُرقة والشقاق والخلاف الشخصي دورا كبيرا، حيث ما زال المجتمع الفلسطيني مجتمع شبه أبوي، وليس مؤسساتي، وما زال القرار القيادي يسيطر عليه كثير من العوامل المزاجية والشخصية الذاتية، وما زال الشعب لا يملك تاثير كبير على قياداته، بل العكس هو الصحيح، القيادة تفرض على الشعب ما تشاء، على عكس المجتمعات الاوروبية في وقتنا الحال.

ان المصالحة وخروج حكومة فلسطينية واحدة للشعب الفلسطيني هو نجاح جديد في المسار السياسي الفلسطيني، نجاح يطغى على أي خلاف في التفاصيل في مستقبل الأيام، وسيستفيد من تجربة الانقسام جميع الاطراف، فلا احد سوف يُفٌضِل العودة إلى الوراء حتى لو رافق هذا المسار الجديد عراقيل كثيرة ومختلفة على الطريق.

في ظل توقع مثل هذه العراقيل، لن يكون المنقذ إلا إرادة حقيقية من الطرفين بعد عناية رب العالمين.
وتعتبر اهم محاور اساسية سوف تحققها المصالحة على مستوى السياسية الخارجية الفلسطينية والشأن الحزبي الداخلي كالتالي:
• سوف تضطر بعض الدول ان تستأنف دعمها المالي بعد ان كانت تزعم بان الدعم في ظل الانقسام سوف يزيد من الانقسام، ويعزز طرف دون طرف.
• سوف تتعزز مكانة الرئيس ابو مازن امام الولايات المتحدة واسرائيل، ويكون ممثلا للشعب الفلسطيني كله، بعدما كانت تتهمه الولايات المتحدة و ( إسرائيل) بأنه لا يمثل الا الضفة ولا يصلح ليكون شريكا. إضافة إلى التخلص تماما من الذين خرجوا عن الصف الفتحاوي، ولهم أطماع طوباوية في القيادة، وكانوا يمثلون صداعا مزمنا له منذ ثلاث سنوات ( دحلان).
• سوف تخرج حماس من مأزق عزلتها، وسيقدم لحماس تسهيلات لوجستية، وسوف يرتفع الحصار عن غزة بين عشية أو ضحاها وذلك مقرونا بشبكة الأمان المالية التي اقرها النظام العربي فيما لو توقفت أموال المقاصة، وتكون حماس قد نجت من أي تغير قد لا يأتي في صالحها وخاصة بعد تعثر الثورات في دول الربيع العربي الذي اثر بالسلب. وخاصة ان حماس ما زال رأسها مطلوبا من بعض القوى الإقليمية والدولية وبعض مخططو المؤامرات من الداخل.
• ستخرج حماس من مأزقها المالي بسبب الحصار الخانق ، وسيكون بمقدور حماس أن تسوق لمشروع مقاومتها للاحتلال بأكثر أريحية، وستزيد مساحات المناورة لديها، وخاصة أنها لم تسقط كما كان يراهن عليها وصمدت، وأثبتت بأنها تقدمت بعلامات فارقة على الخصم السياسي الذي يتمسك فقط بالمفاوضات التي حصل أصحابها على اكبر صفر في تاريخ النضال السياسي. وإبدائها نوع من المرونة سيكسبها زخم سياسي وعلاقات دولية وإقليمية حرمت منها منذ فوزها في انتخابات 2006.
• سوف يضطر النظام الاقليمي العربي ان يفي بالتزاماته تجاه القضية الفلسطينية بعدما اثر الانقسام العربي على القضية الفلسطينية لسنوات طويلة، ولن يجد النظام العربي سببا ليتذرع به من اجل الهروب من ما عليه من استحقاقات وضمانات وعد بها.

وبالنسبة لقطاع غزة، فمن غير المتوقع أن يطرأ كثير من التغيرات على المنظومة الأمنية ، حيث هناك شبه توافق على ما تحقق كأمر واقع ، حيث شهدت حركة فتح على مدى نجاح أجهزة حماس الأمنية على تحقيق قدر كبير من الاستقرار والضبط، الغير مسبوق في القطاع.

في حقيقة الأمر، وبعيد عن العواطف، ففي الوقت الذي سادت أجواء الفرحة في الأوساط الفلسطينية، ورحب فيه خصوم الطرفان بالمصالحة، لم يكن للشعب الفلسطيني تأثير كبير على عملية التصالح، التي بنيت على أساس تقاسم وظيفي في إطار شبه الصفقة بين الإخوة المختلفين سياسيا حتى الآن.

ولكن، بقي أن نعطي وقتا كافيا لمجهود الأطراف لتحقيق المصالحة، وبقي في هذه الفترة القادمة أن نوجه فوهات سلاحنا الإعلامي ونشحذ جهودنا الإعلامية تجاه التجاوزات الإسرائيلية والخروقات، وان نسلط الضوء على ممارسات الاحتلال الذي يغتصب فيها أراض فلسطينية جديدة كل يوم ويتم تهويد المقدسات، وطرد أهالينا في الضفة الغربية واعتقالهم، إضافة إلى التحضير لتقديم الشكاوى ضد الاحتلال الإسرائيلي أمام المنظمات الـ (15) التي انضمت لها السلطة الفلسطينية كدولة غير عضو، لها كامل الحقوق في تلك المنظمات. فهناك الكثير لنفعله ضمن نظام سياسي واحد.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد