أميركا - كوريا الشمالية: لغة القوة في المعادلات الدولية

اشرف العجرمي

اشرف العجرمي


بعد أن أصبحت الأمور بين الولايات المتحدة الأميركية وكوريا الشمالية على حافة حرب نووية مدمرة هدأت العلاقة بشكل مفاجئ بعد سلسلة من التطورات والمبادرات انتهت بلقاء القمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الكوري كيم جونغ أون والتوقيع على اتفاقية بين الجانبين. ويبدو أن الاتفاقية الجديدة ما كانت لتتم لولا وصول كوريا إلى أعلى مراحل التقدم في إنتاج السلاح النووي وانتاج الصواريخ العابرة للقارات التي تهدد كل أعداء كوريا برد مدمر. وفي هذا السياق لعبت كوريا الجنوبية دوراً محورياً في توفير المناخ لهذا التطور المهم، خصوصاً وأنها هي المتضرر الأكبر في حال نشوب حرب بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، حيث كان واضحاً أن الأولى ستعمد إلى تدمير كوريا الجنوبية واليابان وهما في متناول القدرات الصاروخية الكورية قبل الذهاب نحو الولايات المتحدة.


الاتفاق الأميركي- الكوري ينص على نزع السلاح النووي الكوري والتوقف عن تطوير الصواريخ وتدمير المحطة الخاصة باختبار محركات الصواريخ في مقابل أن توقف الولايات المتحدة مناوراتها مع كوريا الجنوبية وربما لاحقاً سحب قواتها منها، وتعليق 300 من العقوبات التي فرضتها أميركا على كوريا الشمالية، ووعد رفع العقوبات بشكل نهائي بعد التأكد من نزع السلاح النووي الكوري. وستكون هناك دعوة للرئيس كيم لزيارة واشنطن في الوقت المناسب وكذلك دعوة مشابهة لترامب لزيارة بيونغ يانغ. وبعيداً عن الغزل والإشادة المتبادلة في لقاء القمة، يظهر أن العلاقة بين الجانبين ستذهب في الاتجاه الإيجابي. 


بدون شك هناك تأثير كبير للصين في هذا الملف باعتبارها الداعم الرئيس لكوريا الشمالية وباعتبار أن التطورات في شبه الجزيرة الكورية يؤثر مباشرة على أمن الصين وعلى استقرار المنطقة عموماً. والعلاقة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة مرتبطة بقوة كوريا العسكرية وبعلاقاتها مع الصين. وفي عالم اليوم لغة القوة هي الأساس في ظل نزوع القوة العظمى الأولى نحو فرض مواقفها ومصالحها على خصومها وحلفائها في آن واحد. ولو كانت كوريا ضعيفة لكانت الولايات المتحدة شنت حرباً تدميرية ضدها كما حصل مع العراق وليبيا.


من خلال ما يشهده العالم في هذه المرحلة يمكن توقع تغيرات جيواستراتيجية بالغة الأهمية. ولا يبدو أن التحالفات القائمة حالياً ستصمد لفترة طويلة. فحلف «الناتو» على سبيل المثال يشهد تغيرات جوهرية بعد أن طلبت الولايات المتحدة من دول الحلف تسليح وتعزيز قواتها ذاتياً وعدم الاعتماد على واشنطن في هذا المجال. ما يعني أن الدول الأوروبية ستصبح تدريجياً في غنى عن القوات الأميركية. ولعل الموقف الألماني الواضح بشأن عدم رغبة ألمانيا في دفع تكاليف إضافية لوجود القوات الأميركية فيها يمثل مؤشراً على الاتجاه الذي ستذهب إليه العلاقة بين أميركا وحلفائها. خصوصاً وأن بعض دول الاتحاد الأوروبي وعلى رأسها إيطاليا تنادي بإعادة النظر في العقوبات المفروضة على روسيا وتصحيح وتطوير العلاقة معها. ولا شك أن لتطور السلاح الروسي وتعاظم قوة روسيا العسكرية دور لا بأس به في إحداث تغيير في توجه بعض الحلفاء بالرغم من الدعوات المتكررة لتعزيز قوة الحلف رداً على روسيا.


كما أن الحرب التجارية التي تخوضها الولايات المتحدة ضد شركائها في اوروبا وكندا، بعد فرض أميركا ضرائب على بعض السلع من هذه البلدان، والتي أفشلت قمة الدول السبع التي عقدت في كندا حيث كانت الولايات المتحدة في جهة والدول الست الأخرى في الجهة المقابلة، ما منع صدور بيان مشترك في نهاية القمة التي قيل أنها بدلاً من أن تحل المشاكل فاقمتها وعقدتها، هي مقدمة لتفكك أحلاف مبنية على مصالح مشتركة لم تعد قائمة. وفي هذا السياق مثلت العلاقة التجارية الصينية- الأميركية نموذجاً مختلفاً، حيث لم تجرؤ واشنطن على فرض عقوبات على الصين التي أصبحت القوة الاقتصادية الصاعدة بقوة والمهددة للتفوق الاقتصادي الأميركي. وحيث إن الميزان التجاري يميل لصالح الصين بصورة كبيرة فهي تصدر لأميركا سنوياً ما قيمته 492 مليار دولار وتستورد منها بقيمة حوالي 116 مليار دولار. وقد أوقفت الرئيس ترامب فرض ضرائب على واردات الصين مقابل تعديل نسبي في ميزان التبادل التجاري.


في مقابل مشاكل الولايات المتحدة مع حلفائها هناك أحلاف جديدة قوية تنشأ منها على سبيل المثال منظمة «بريكس» التي أنشأت بنكاً خاصاً بها هو بنك آسيا لتمويل الاستثمارات في البنية التحتية في دول «بريكس» التي تضم البرازيل وروسيا والهند وجنوب أفريقيا والصين. ومنظمة شنغهاي للتعاون التي عقدت قمتها مؤخراً في الصين بحضور رؤساء دولها الثماني (روسيا والصين وكازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان والهند والباكستان) بحضور الرئيس الايراني وكل من رؤساء منغوليا وأفغانستان وبيلاروس. وعلى هامش اجتماع القمة قبل خمسة أيام وقعت روسيا والصين اتفاق تعاون استراتيجي شمل عدة اتفاقات مهمة في مجال الطاقة الكهروذرية وتشمل إنشاء عدة مفاعلات ومحطات للطاقة الذرية. وقد منح الرئيس الصيني وسام الصداقة للرئيس فلاديمير بوتين وهو أعلى وسام يمنح للمرة الأولى كدليل على حجم التحالف والعلاقة التعاونية بين البلدين.


ويمكن القول إن هناك نوعاً من الارتباط بين الصين وروسيا في أكثر من جانب على المستوى الاستراتيجي يشمل الجوانب الاقتصادية  والعسكرية مبني على رغبة الطرفين في حماية مصالحها وفي إنشاء نظام عالمي جديد قائم على تعدد الاقطاب ونفي هيمنة قوة أو طرف واحد على دول العالم ونهب ثرواتها ومقدراتها وتحطيمها في النهاية. والسؤال هنا أين العرب من هذه التطورات الدولية وهل من الصحيح أن تبقى خاضعة لرعاية واشنطن المكلفة جداً والمدمرة؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية


الأكثر قراءة هذا اليوم