166-TRIAL- "زهقت" .. "يلعن هيك عيشة" ... "مين ياخد نص عمري ويطلعني من هالبلد" ... "ملعون اليوم اللي مخليني ساعة واحدة زيادة فيكي يا غزة " ... عبارات نسمعها ونعرف دلالتها وندرك معانيها، تتردد على ألسنة الشباب في غزة، ومن ثم ترددها فئات اجتماعية مختلفة، ولسان حال الجميع يقول بأن ولاة الأمر ضيعوا غزة وأضاعوا حقوق أهلها ودفعوهم دفعاً إلى كراهيتها وكراهية العيش فيها، وضيقوا عليهم الخناق حتى تمنوا مغادرتها والرحيل عنها للأبد، فلماذا يُفعل بغزة كل ذلك، ولماذا يصر البعض على بترها من الجسد الفلسطيني، ولماذا لا يتحرك أحد لوقف كل هذا العبث؟!
واحد من أهم الموضوعات التي ينبغي أن تجيب عنها كل حكومات الكون هو مسألة تعزيز الفرص، وضمان أوسع قدر من المشاركة في إدارة الشأن العام، وتيسير كل السبل أمام الشباب كي ينهضوا بوطنهم ويستحثوا كل طاقاتهم في خدمته، والأهم من ذلك تحقيق كل ما يلزم من أجل عيش المواطن بكرامة، وضمان رفاهيته، وحق أسرته في تعليم مجاني نوعي ومميز، وخدمات صحية نوعية ومميزة، وتوفير بنية تحتية متكاملة في شتى المناحي، والنهوض بكل القطاعات الاقتصادية والسير بعجلة التنمية على كل المستويات، وإن لم تفعل الحكومات ذلك، وذلك فقط، فلا معنى لبقائها ولا معنى لاستمرارها ولا مجال للنقاش بشأن شرعيتها وكفاءتها وقدرتها على الإنجاز.
الغريب أن غزة كانت ذات يوم هي عنوان المشهد الوطني، باعتبارها كانت على الدوام رافعة الحلم الفلسطيني، وقدمت في سبيل ذلك خيرة أبنائها من القادة والشباب الذين كانوا وقود كل الانتفاضات الفلسطينية، ودفعت الثمن مرات ومرات من أجل أن يكون للفلسطينيين هوية، وحافظت على اسم فلسطين بعد أن احتلت البلاد وبعد أن تم ضم معظم شعبها إلى جنسيات أخرى، وبقيت غزة منارة تحمل معها هموم الوطن وأماني أهله، وحافظت على الكيانية الوطنية وأبلت بلاءً حسناً في مواجهات لا تحتمل الوقوف في مواجهة كل طغاة الأرض بصدرٍ عاري، ولكن غزة فعلت هذا، تارة تلو الأخرى، وكان نصيبها في نهاية الأمر ما يقل قليلاً على 18.3% من الميزانية العامة للسلطة الوطنية، برغم أن أهل غزة سمعوا آلاف المرات الكذبة الشهيرة التي تقول أن غزة "تقضم" 58% من ميزانية الوطن، لنكتشف بعد حسابات بسيطة وسلسة وسهلة للغاية أن باقي الوطن قد "التقم" غزة وابتلعها وهو يشكو من بقائها في حلقه وعدم قدرته على ابتلاعها بالكامل!!
غزة تئن وتشتكي إلى بارئها سلوك بعض أهلنا وذوي قربانا، من ولاة الأمر الذين نسوا غزة ورهنوا مصيرها إلى جوارها الجغرافي، ينهش فيها كيف يشاء، ويتطاول على أهلها بالحصار والتجويع ومحاولة فرض التركيع، ويكوي كل يوم ذاكرة ووعي أجيالها المتعاقبة، لتعاقب غزة كل لحظة على خياراتها وعلى دكتاتورية الجغرافيا وعلى الطبوغرافيا وعلى الديموغرافيا وعلى الجغرافيا السياسية، وتتكالب كل قوى الأرض من أجل اذلالها، ويفتحون في مقابل ذلك طاقة واحدة، نافذة، تطل بشباب غزة على العالم الخارجي ويمنونهم بالفرص التي تنتظرهم حال مغادرة غزة، والأسباب كثيرة والمببرات جاهزة، لا أمل، لا أفق، مصالحة في مهب الريح، ردح سياسي وإعلامي لا يتوقف، وإعادة اعمار أصبحت حبراً على ورق، وحكومة مشلولة وكسيحة وغير قادرة على السير حتى بالقصور الذاتي، وانسداد المسارات السياسية والتفاوضية والمقاومة، وانهيار البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأرتال من الشهادات التي لا يتوقف تزويد الشباب بها دون فرصة لعمل أو حظ من بطالة ولو مؤقتة، كل هذا والجميع ينادي بالثبات والصمود والرباط والمواجهة التي تفضي إلى الانتصار!!!
غزة التي شبعت وعوداً وشعارات خاوية ورأت بدلاً منها أياماً عجافاً وساعات كان الموت قرينها على مدى اليوم والليلة تتطع على الغد، غزة ما تزال تحب الحياة، وتنظر بأمل إلى القادم، لا تخيبوا رجاءها، لا تعزلوها، لا تدفعوها إلى الخيارات الصعبة، ولا تغلقوا الأبواب في وجهها، غزة تحتاج من يحتضنها، من يرتب على كتفها، من يحملها على البقاء في المواجهة، ويدعم صمود أهلها، غزة لا تحتاج إلى الكلام بل تحتاج إلى الفعل، ولا سبيل إلى فعل كل ذلك إلا بإرادة استعادة غزة إلى حضنها الوطني وحاويتها الوطنية وحاضنتها الوطنية، ولأجل ذلك غزة توجه دعوة مفتوحة إلى كل شريف وكل مسؤول أن يضعها في أولوية اهتماماته، ليس إعلامياً وسياسياً فحسب، بل أولوية في محتوى ما يخزنه ضميره الوطني تجاه خاصرة الوطن التي أوجعتها الطعنات، وبعضها جاء في أكثر من مرة ممن تعتقد أنهم بقاياها الموزعة في بقاع الأرض.
168

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد