جوال

ما بعد المصالحة والانتخابات،حماس والوطن إلى أين؟..د. أحمد يوسف

228-TRIAL-أسئلة كثيرة تدور في ذهن الشارع الفلسطيني ونخبه المجتمعية والفصائلية والأكاديمية، كما تجري على ألسنة الشباب في مجالسهم الخاصة ومنتدياتهم المفتوحة، وهي لا تبتعد كثيراً عن مجموع التساؤلات التالية: ما هو شكل الحكومة وصيغة التحالفات التي ستعقب الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة؟ وهل هي حكومة شراكة سياسية وتوافق وطني يجتمع فيها الجميع، وتنصهر فيها الرؤية والبرامج والتوجهات لكل فصائل العمل الوطني والإسلامي، أم هي حكومة ستعتمد أسلوب المحاصصة الفصائلية؟! وهل مشروعنا الوطني للتحرير والعودة والاستقلال مبني على حلِّ الدولتين، أم الدولة الواحدة الديمقراطية أو ثنائية القومية؟ وما هي أشكال النضال التي سنتوافق عليها إذا استمرت إسرائيل في مخططاتها الهادفة لتصفية القضية بدون دولة فلسطينية؟ وفي ظل مواصلة الغرب والمجتمع الدولي رفضه التعامل مع حركة حماس ، ما هي طبيعة التحرك الذي ستلجأ إليه الحركة للحفاظ على وجودها السياسي وفعلها المقاوم؟ وهل فكرة "حزب سياسي برؤية وطنية" مطروحة للتداول في أروقة حركة حماس؟ ما الذي تعلمناه كفلسطينيين - وحركة حماس على وجه الخصوص – من دروس الربيع العربي؟ هل حركة حماس في رؤيتها الأيدولوجية والحركية تقتفي أثر رجب طيب أردوغان في وسطيته وانفتاحه وقيادته لحزب العدالة والتنمية أم هي أقرب لتجربة حزب الله في لبنان؟ في النهاية، يبقى السؤال الأهم: حماس والوطن إلى أين.؟!

لا شك أن تجربة السنوات السبع لحركة حماس في مشهد الحكم والسياسة قد علمتها الكثير، وهي - الآن – وبعد "الخروج الآمن" من الحكومة تحتاج إلى أخذ زمام المبادرة والبدء بإجراء المراجعات، من حيث النظر إلى كيفية التعاطي مع الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة؛ هل ستطرح مرشح للرئاسة أم أنها سوف تدعم آخرين؟ وما هي المعايير التي ستضبط اختيار المرشحين للمجلس التشريعي أو البرلمان؟ وما هو الموقف من موضوع الشراكة في الحكم وشكل الحكومة، وما هي الاعتبارات التي ستعتمدها الحركة لبناء تحالفاتها السياسية مع باقي فصائل العمل الوطني والإسلامي، إضافة لمتطلبات ترميم العلاقة وإصلاحها مع عمقنا العربي والإسلامي، والتي تأثرت كثيراً بانتكاسة الربيع العربي، وتردي العلاقة مع القاهرة وطهران، وتباعدها مع دمشق والرياض وأبو ظبي وفتورها مع عمَّان؟؟.

حركة حماس: تحديات التكيُّف وتعقيدات المجهول

مع تشكيل الحكومة الانتقالية القادمة؛ برئاسة الرئيس أبو مازن أو د. رامي الحمد الله، ستتضح اتجاهات العلاقة بين فتح وحماس، وسنكون أمام استحقاق تاريخي لتحديد موقفنا تجاه مشروعنا الوطني، من حيث الرؤية السياسية ومسرح عمليات المقاومة وأشكالها المعتمدة.. إن المرحلة القادمة تحتاج إلى حملة مراجعات داخل الصف يشارك فيها الجميع، لاتخاذ الموقف الذي يحمي وحدة الحركة، ويوفر الاطمئنان لقواعدها حول مسار خياراتها المستقبلية.

ومن الجدير ذكره، أن البقاء داخل حلبة العمل السياسي بات أمراً مؤكداً، ولكن السؤال المطروح للتداول هو حول شكل وآلية هذا العمل؛ هل هو من خلال حزب سياسي واضح الرؤية والأهداف، أم أن حماس سوف تتحرك بنفس الطريقة التي خاضت بها انتخابات يناير 2006م؛ أي كتيار إسلامي وبعناوين وشعارات لا تختلف عن تلك التي رفعتها – سابقاً - كتلة التغيير والإصلاح.؟

أعتقد أن حركة حماس مطلوب منها أن تجري تعديلات على طريقة إدارتها لحواراتها الداخلية، وأن تفتح الباب مشرعاً أمام كوادرها وقياداتها لجلسات نقاش موسعة، وتشجيع المشاركة الفاعلة لقواعدها المتقدمة ونخبها الفكرية في عمليات التقييم والمراجعة، ليس فقط بتناول فترة الحكم السابقة، من حيث الأداء والمهنية واعتبارات الكفاءة والنزاهة، بل - أيضاً - لشكل العمل التنظيمي، وآليات اختيار قيادات الحركة الشورية والسياسية للمرحلة القادمة.

لقد أثرت تجربة وجودنا في الحكومة من تنامي وحركية الوعي السياسي لدى الكثيرين من كوادر الحركة وبعض قياداتها الشابة، برغم ما شاب تلك التجربة من عثرات وانطباعات سلبية داخل الشارع الفلسطيني، ربما نصل إلى فهم أبعادها وتفهم دوافعها بعد خمس أو عشر سنوات من الآن.

الحكومة القادمة: الطموح والرغبات

لا شك أن في جعبة الكثير من الناس والنخب الفكرية والحركية داخل مجتمعنا الفلسطيني وإطاراته الحزبية تطلعات وآمال لشكل الحكومة القادمة؛ الانتقالية أو التي ستأتي بها الانتخابات العامة بعد ستة شهور كما جاء في إعلان مخيم الشاطئ في 23 أبريل 2014م، وهي - ربما - على قناعة بأن هذه الحكومة الانتقالية قد يطول أمد بقائها في السلطة لأكثر من الفترة التي تمَّ التوافق عليها.. ولذلك، هي تتمنى على حركة حماس وعلى الرئيس أبو مازن أن تكون هذه الحكومة – من حيث الاختيار والأداء - عند حسن ظن الجميع بها، وخاصة أولئك الذين شاركوا في التوافق عليها، وإلا فإن خسارة توقعات الشارع وأهل الذكر ستكون طامَّة كبرى على الجميع.. من هنا، فإننا نتطلع إلى أن تكون ملامح أي حكومة فلسطينية قادمة تحمل المواصفات والأمانات التالية:

1- أن تكون حكومة تتبنى برنامجاً تفصيلياً قادراً على فك الحصار الظالم المفروض على الشعب الفلسطيني، والانفتاح باتجاه عمقنا العربي والإسلامي، والتواصل مع المجتمع الدولي.

2- أن تكون حكومة تتألف من وزراء من الشخصيات المعروفة بالنزاهة والكفاءة واستشعار المسئولية الوطنية، والمقدرة على القيام بأعباء الوظيفة، وليست من الشخصيات التي تثار حولها شكوك الفساد أو تلك التي لا تجيد سوى لغة الخطابة وحديث الأمنيات.

3- أن تكون حكومة تمثل مصالح الشعب بجميع فئاته، دون النظر إلى المصالح التنظيمية أو الفردية المجردة، والتي طبعت – للأسف - ممارسات كل من سبق من حكومات في عهد الرئيس أبو عمار (رحمه الله) أو الرئيس أبو مازن.

4- أن تكون حكومة تمثل الشعب بمعايشة معاناته وهمومه وشكواه؛ ولا نريد حكومة تتمتع بامتيازات خاصة – كما عودتنا جميع الحكومات السابقة – بما في ذلك حرية السفر والتنقل داخل وخارج فلسطين.

5- أن تكون حكومة من خارج المجلس التشريعي، وذلك لتحقيق مبدأ الفصل بين السلطات، وحتى تتمكن كل سلطة من سلطات الشعب من ممارسة دورها بحيادية وعلى أكمل وجه.

6- أن تكون حكومة تعزز وتحترم السلطة القضائية، التي هي صمام أمان لاستقرار المجتمع وأمنه.

7- أن تكون حكومة تُطلق الحريات الإعلامية، ولكن ضمن ضوابط الالتزام بالأخلاق والاحترام المتبادل، بعيداً عن أساليب المناكفة الحزبية ولغة القذف والتشهير والشقاق، التي تميزت بها فضائياتنا، وإذاعاتنا المحلية، وصحفنا ومواقعنا الإلكترونية، وبالذات في فترات الاحتقان والاحتراب الفصائلي.

8- أن تكون حكومة تعمل على إعادة صياغة وتأهيل الأجهزة الأمنية على أسس وطنية ومهنية، وذلك كي تتمكن من القيام بدورها الصحيح في حماية المجتمع وتنفيذ سلطة القانون.

9- أن تكون حكومة لا تخص نفسها أو تنظيماتها بالإعفاءات الضريبية، وترفض الواسطة والترقيات غير المشروعة، وتعمل على إنهاء احتكار السلع الضرورية واستئثار المتنفذين بالخدمات دون غيرهم.

10- أن تكون حكومة ملتزمة بوقف التعيينات السياسية في جميع الوظائف، وأن يكون التوظيف بناءً على أسس ومعايير الكفاءة والخبرة.

11- أن تكون حكومة تُحاسب المتهمين بالفساد، وأولئك الذين أثروا ثراءً فاحشاً على حساب الشعب.

12- أن تكون حكومة تعمل على حل مشكلة البطالة العامة والمقنَّعة، وتفتح آفاق المستقبل للخريجين والمزارعين وأصحاب المشاغل وغيرهم من فئات الشعب.

13- أن تكون حكومة تهتم باللاجئين في دول الشتات، وتحتضنهم وتخفف من معاناتهم، وتعمل على حل مشاكلهم، بما يكفل تمتعهم بحقوقهم الإنسانية كاملة.

14- أن تكون حكومة ترعى أسر الشهداء والأسرى والأيتام والمحتاجين في أزقة الوطن ومخيماته.

وتأسيساً على ما سبق، فإننا نريد حكومة لا تصطدم مع حقيقة واقعنا بأننا شعب تحت الاحتلال، ولدينا مقاومة وطنية وإسلامية باسلة تحتاج إلى مظلة شرعيتها، وتحمي مشروعية نضالها. 

لقد أثبتت سنوات وجودنا – كإسلاميين - في الحكم صعوبة الجمع بين إدارة السلطة ومتطلبات التحرير بالمستوى الذي انتظرته الجماهير، مما يستدعي تكوين جبهة عريضة بهوية وطنية فاعلة، تبني مؤسسات الوطن على أسس مهنية وإدارية سليمة، وتدير الحياة المدنية بنزاهة وشفافية وكفاءة، مع ترك المجال مفتوحاً أمام التنظيمات المختلفة لممارسة دورها الذي خطته لنفسها من خلال أجنداتها وأيدولوجياتها الخاصة.

إن كل ما ذكرناه إنما هو مجرد "مبادرة سؤال" لحوارات موسعة نطالب بإجرائها في المستقبل القريب، بهدف انضاج حالة من المراجعات والقراءات السياسية والأمنية والمجتمعية، التي تعزز من قدرات مشروعنا الوطني، وتؤمن للمقاومة مساحات الفعل المطلوبة لحمايتها كرأس حربة في معركة التحرير والعودة، وتمكِّن الحركة من استعادة حضورها المتميز في المساجد والمؤسسات الدعوية والخيرية والخدمية، واحتضان الشارع لأنشطتها التربوية والتعبوية والدينية، بالشكل الذي كانت عليه مساحات شعبيتها الواسعة قبل تجربتنا المتعثرة في مشهد الحكم والسياسة.

ما بعد الانتخابات: معالم الطريق والرؤية السياسية

في أدبيات الفكر السياسي يتم تداول مصطلح خارطة الطريق (Road Map) أو معالم الطريق (Milestones)، وهي تعني مسار العمل برؤية محددة بغية الوصول إلى الغايات والأهداف المرجوة.. اليوم، نحن نتحدث عن رؤية سياسية مفادها أن شكل الحكم القادم قائم على مبدأ الشراكة السياسية والتوافق الوطني، وهذا مؤداه أن الكل الوطني والإسلامي سيعمل جنباً إلى جنب في مساحة المشترك، باعتبارنا شعب تحت الاحتلال، وعلى الجميع تقع مسئولية النضال من أجل التحرير والعودة ونيل الاستقلال. 

إن منطلقات المرحلة القادمة تتطلب انفتاح أوسع على الآخر، ومحاولة استيعاب مدارك الرؤية لديه، في إطار برنامج وطني جامع تتحقق معه طموحات وتطلعات أكثر من 40% من الأغلبية الصامتة، والتي فقدت ثقتها بالعمل السياسي الحزبي – الوطني والإسلامي – وضرورة خلق تطمينات بإمكانية تحقيق الاستقرار والعيش الكريم وفق معادلة "أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف".

إن واقعنا السياسي كإسلاميين يفرض علينا البحث عن مخرج من حالة عدم الاعتراف الدولي بشرعيتنا، وأيضاً من وضعية التناقض السياسي مع الآخرين من شركاء الوطن والدين، حيث إن العملية السياسية ليس مطلقات دينية بل هي البحث عن مساحة المشترك ودوائر التقاطع التي تجمعنا بالآخر؛ الوطني والإسلامي، للعمل معاً في إطار الرؤية التي يتم التوافق عليها وطنياً.

كما أن مواقفنا تجاه ما هو مطروح من وجهات نظر سياسية لتسوية الصراع مع دولة الاحتلال تتطلب مشاركات نخبوية فاعلة، وعدم ترك أي طرف للتفرد بتحديد قدر ومصير شعبٍ بأكمله، وعلينا أن نحسم خياراتنا مع الآخر عبر الحوار، وعبر مظلتنا الجامعة ألا وهي منظمة التحرير الفلسطينية.

إن قضيتنا الفلسطينية بمكانتها ومقدساتها وتاريخها ليست ملكاً لنا وحدنا، بل هي قضية الأمة المركزية، وعليه فإن قراراتنا تجاه مستقبلها يجب ألا تبتعد أو تتباين كثيراً عن مواقف عمقنا العربي والإسلامي، حيث إن لهذا "العمق الاستراتيجي" ما نحتاج إليه من إمكانيات التأثير والقوة والنفوذ في فضاء  السياسة الدولية، والتي يصعب علينا الاستغناء عنه (Indispensable).

المراجعات: قل سيروا في الأرض وأنظروا

إن أهم محطات الإصلاح والحفاظ على العافية الحركية لأي تنظيم سياسي أو مجتمعي هي العمل على تفعيل آليات النقد والمراجعة، فهي بمثابة عملية تفقدية واستطلاع دوري للتعرف على حالة الصحة العامة (Check up)، وليس في مثل هذا الإجراء ما يعيب، بل هو الضمانة للحفاظ على سلامة الكيانية التنظيمية، وقطع الطريق أمام أية محاولات لشرذمة الصف خارج سياق التفاهمات والرؤية الاستراتيجية الناظمة للعمل.

 لقد كتب د. مصطفى اللداوي مقالاً رائعاً أصاب به كبد الحقيقة، بعنوان: "الأحزاب بين النقد الموضوعي والمراجعة الذاتية"، حيث أشار فيه إلى أهمية إجراء المراجعات، وضرورة أن تمارس الحركات الإسلامية عملية النقد الذاتي، باعتبارها آلية للإصلاح وتدارك الأخطاء وعلاجها قبل أن تستفحل إلى مرض عضال يصعب الشفاء منه.

لقد أوجز أخي د. اللداوي؛ وهو الخبير بشؤون الحركات الإسلامية، والشأن الفلسطيني الإسلامي على وجه الخصوص، كلماته في السطور والنقاط التالية:

1) إن النقد والمراجعة الموضوعية الهادفة ضرورة ملحة، ينبغي أن تكون مصاحبة لأي مشروع، وملازمة له، لا أن تكون نتيجة الفشل، أو إثر الإخفاق، لمعرفة أسباب الفشل وعوامله، بل ينبغي أن يكون النقد والمراجعة مسايراً للمشروع، ومتلازماً معه، لنتجنب الفشل، ونحول دون السقوط، ولنعمل على تجاوز الأخطاء، وتلافي المزالق والسقطات، وإلا فإن النقد يفقد قيمته، إن لم يكن دوره درساً وعبرة، يتعلم منه اللاحقون، ويستفيد من تجاربه الآخرون، ويدونون خلاله الملاحظات، ويسجلون الأخطاء، ويدرسون الاحتمالات، ويتعرفون على النتائج المفترضة، والنتائج المحققة، ويدركون الأسباب الكامنة وراء النجاح، وتلك التي كانت وراء الفشل، أو ساهمت فيه.

2) إن النقد والمراجعة هي أهم ما يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، لأنه الوحيد الذي يتعلم من أخطائه، ويستفيد من تجاربه، ويدرس الخيارات، ويقيم الواقع، ويستفيد من المعطيات، وإلا استحال حيواناً لا يعي ولا يعقل، ولا يتعلم ولا يتجنب، بل يقع دوماً في ذات المسالك، ويساق إلى نفس المسالخ، في تكرارٍ بئيس، ومنوالٍ كئيب، يتسبب في الخسارة، ويخلق الرتابة، ويحول دون الإبداع، فضلاً عن أنه يورث اليأس والقنوط نتيجة الفشل المتكرر، والسقوط الدائم.

في الحقيقة، تحرص الدول وأصحاب المشاريع السياسية والاقتصادية، الجماعية والفردية، الخاصة والعامة، الاستثمارية والإنسانية، قبل المباشرة في مشاريعها الجديدة، على دراسة التجارب التي سبقت، وتحليل عوامل الصعود والهبوط، وأسباب النجاح والفشل، ومضامين الكسب والخسارة، لتضمن تحقيق النجاح، والوصول إلى أفضل النتائج، في أسرع وقتٍ وبأقل الخسائر الممكنة، ذلك أن سنن النجاح واحدة، وعوامل الفشل متكررة، وآلية صناعة القرارات علمٌ ودراسة.

3) إن المراجعة والنقد هما منهج العقلاء العاملين المخلصين الغيورين على مشاريعهم، والخائفين على مصالحهم، الذين يتطلعون إلى الأفضل، ويحرصون على الأصلح، ويتخيرون الأحسن، وهم الذين يصارحون من يلونهم، ممن ينوبون عنهم، ويعملون باسمهم، أو بتفويضٍ منهم، وإلا كانوا خائنين للأمانة، وغير أهلٍ للثقة التي منحهم إياها موكلوهم، وسيأتي اليوم الذي يكشف فيه تقصيرهم، ويظهر عجزهم، ويعرف فشلهم، الذي كانوا سبباً فيه، عندما غضوا الطرف، وامتنعوا عن التقييم، وسكتوا عن الأخطاء، ورفضوا الاستفادة من الدروس، مفرطين في دماء الأمة، ومستهينين بأرواح وحياة أبنائها، الذين يسقطون على دروب التجارب، ومسالك الاختبارات، التي يدفع الشعب ثمنها، بينما ينعم المتورطون فيها، والمتسببون لها، بخيراتٍ وحصصٍ ونعمٍ وهدايا ومنحٍ وعطايا، وكأنهم ليسوا المخطئين والمتسببين في الأزمة.

4) إن النقد والمراجعة يلزمه الصدق والصراحة والوضوح والشفافية، فلا يكون على معطياتٍ خاطئة أو غير صحيحة، ولا يقوم على الكذب والتدليس والاختلاق، ولا يبنى على الأماني والطموحات، ولا يقوم به أصحاب هوى أو غاية، أو طلاب مصلحة ومنفعة، ممن يحرفون الكلم عن مواضعه، ويزورون ويبدلون ويغيرون خدمةً لأهدافهم، ووصولاً إلى نتائجهم التي يريدون، وغاياتهم التي إليها يتطلعون، عندما يلوون الحقائق، ويبدلون الوقائع، ويحرفون كل شيءٍ ولو كان موثقاً ومصوراً، ومثبتاً ومعلوماً.

5) إن النقد يلزمه كذلك الجرأة والشجاعة، والقوة والإقدام، فلا تصح المراجعة والنقد دون جرأةٍ تحقق الاعتراف، وتقود إلى تحمل المسؤولية، والاعتراف بالأخطاء، لذا فإنه لا يقوى على المراجعة جبانٌ أو خائف، ولا يقدم عليها مترددٌ ضعيف، ولا يسعى إليها مخطئٌ عمداً، أو خائنٌ قصداً، أو عدوٌ أصلاً، إنما يلجأ إليها الطامحون إلى التصحيح، والمتطلعون نحو الأحسن، ممن لا يرعبهم الاعتراف بالخطأ، ولا يخيفهم تصويب الخطأ، والعودة إلى الحق وجادة الصواب، بما يحقق المصلحة، ويقود إلى المنفعة، ويحول دون الخسارة، أو المزيد منها، ولو كان ثمن المحاسبة مناصبهم، وضريبة النقد مواقعهم، ونتيجة المراجعة إدانتهم.

6) إن الإسلاميين هم أولى الناس بالمراجعة، وأحوجهم إليها، وألزمهم بها، فهم يحملون أمانة، ويقودون مشروعاً ربانياً، يقوم على رسالات السماء، وكتب الرسل والأنبياء، ويحملون فكراً هو من نبراس العقيدة، ومن روح الإيمان، آمن بهم الناس وصدقوهم، وسلموا لهم واتبعوهم، وخضعوا لهم ونفذوا أوامرهم، وسبقوهم في الصفوف، وتقدموا عليهم في العطاء، وبزوهم في التضحية والفداء، فلا يجوز أن يخفوا عنهم الحقائق، ولا أن يزوروا ويزينوا لهم الواقع، ثم يجرونهم إلى مربعاتٍ خاطئة، وفق حساباتٍ خاصة، ومعطياتٍ غير دقيقة، تقوم على الأماني والرغبات، وتتجاوز الحقائق والمعطيات، وتقفز على الثوابت والسوابق الأكيدة المجربة والمضمونة، وتعتمد على أغرارٍ لا يفهمون، وبسطاءٍ لا يعقلون، وصبيةٍ يحلمون بمستقبل، ويعدون أنفسهم لواقعٍ أفضل، ولو كانت حساباتهم مقامرة، وتوقعاتهم مجازفة، ومعلوماتهم تخمينٌ وتوقع، وعوامل قوتهم سرابٌ ووعود، وخيالٌ وغيبٌ موعود.

7) إن التاريخ قد يغفر لأصحاب المشاريع الفردية، والمصالح الشخصية، إن هم قصروا في المراجعة والنقد، وامتنعوا عن دراسة تجاربهم، ومعرفة أسباب فشلهم وعدم نجاحهم، وخاضوا نفس التجارب من جديد، دون أي محاولةٍ لتجنب الأخطاء، والابتعاد عن المزالق، ولكن التاريخ لا يغفر لأصحاب المشاريع العامة، والأمناء على القوى والأحزاب السياسية، الذين يقودون الشعوب، ويتحكمون في مصائر الناس، وتنعكس تصرفاتهم على المجتمعات والشعوب، سلباً أو إيجاباً، بناءً على سياساتهم، ووفقاً لقراراتهم، فهذا الصنف من أصحاب المشاريع العامة لا يجوز صمتهم، ولا يغفر لهم تقصيرهم، ولا يعفى عن مخطئهم، ولا يكافئ مجتهدهم إن لم يصب، بل يحاسب ويجازى، ويحاكم ويعاقب، ويقصى ويبعد، ويحرم ويشطب، إذ لا مكان لأشخاصٍ مقدسين، ولا لقياداتٍ منزهةٍ عن الخطأ، وبالتالي محصنة من العقاب والحساب.

ويختم أخي د. اللداوي نداءه وما أسداه من نصيحة إلى كل الحركات الإسلامية، بضرورة مراجعة ذاتها، وممارسة النقد البناء، ومكاشفة أتباعها، وكشف حساباتها، القريبة والبعيدة، ويطالبها أن تكون جادةً في النقد، حريصةً على الحق، غير مواليةٍ لطرف، ولا ساعيةٍ لإرضاء فريق، بل تُمسك المبضع بيدها بكل قوة، ودون تردد، وتضعه على موضع الألم وتجرح، ولا تبالي بالدم إن نزف، ولا بالمريض إن شكا وتألم، فالغاية أسمى وأهم، إنها المستقبل كله، والغد القادم بكل أحلامه.

لقد أحببت أن استشهد بأخ هو من داخل الصف الإسلامي، يمتلك الخبرة والمعرفة،  ولديه الدراية الكافية بواقعنا وعقلياتنا الفكرية والحركية؛ لأنه عاش بيننا وناضل معنا، فلا أحد يمكنه انكار مسيرة جهاده، ولا فطنته وذكائه، فهو في حله وترحاله يبعث لنا عبر مداد قلمه السيَّال بحكمة الرأي والكلمة الطيبة، ويأتي لنا – كالهدهد - من أقاصي الأرض بالخبر اليقين.
أتمنى أن يتفهم الجميع أننا فيما نقدمه من رأي أو توجيه إنما هو من باب أداء "واجب التبليغ والنصيحة"، والهدف الذي نصبو إليه هو هذا المعنى الكريم "إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ".

ختاماً: الإنجازات تصنع القامات

إن الحركات كما الإنسان تصنع قامتها الإنجازات، وليس من حق أحد أن يعلق تراجع مشروعه وانخفاض شعبيته على شماعة الظروف ونوائب الدهر، لأن أحوالنا تحكمها نواميس هذا الكون التي لا تحابي أحداً، صحيحٌ أن هناك جرعة دعم مباركة مع كل جهد استطاعة، ولكن سوء التدبير وغياب الوعي بمقاصد الشريعة وفق المآلات، وتجاهل معايير القسطاس المستقيم، لا تمنح ضمانات الغلبة والتمكين، وفي التاريخ الكثير من الشواهد والعبر.

نحن بحاجة لمراجعات سياسية وحركية معمقة، فموجات التغيير تموج من حولنا، وأوضاعنا ليست في أحسن أحوالها، والكل يسأل: ماذا بعد؟

إن  الخروج من عنق الزجاجة يفرض علينا إبداعاً من خارج الصندوق؛ أي أن تكون تصوراتنا خارج حدود التفكير النمطي وفضاءاته التنظيمية المحاصرة.

إن إكسير الحياة وحجر الفلاسفة تكمن أسراره في العزيمة والإصرار على الإنجاز وتحقيق الأهداف العظيمة، وما يتطلبه ذلك من استمرار البذل والعطاء.. إن عظمة المكانة والإنجاز لأي حركة أو تنظيم هي في قدرته على النهوض ومواصلة العمل بعد عثرات الإخفاق والفشل، وهي في حرصه ألا تغيب عنه طموحات الصدارة وبلوغ رأس الهرم، نعم؛ قد تتراجع حظوظك مرة أو مرتين، ولكن لا تفقد بوصلتك في الوصول إلى الهدف.  

وقديماً قالوا: إذا لم تتصدر قيادة عملية التغيير، فسوف تتجاوزك الأحداث.


241

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية