المؤكد أن الحالة الفلسطينية الراهنة بحاجة للبحث عن إستراتيجية وطنية جديدة، تكون قادرة على الاستجابة للتحديات الجديدة التي ظهرت أمام المشروع الوطني، وتجيب عن الأسئلة الكبيرة التي رافقت هذه التحديات، وتضع خطوطاً آمنة لمواجهة التهديدات الخطرة، على أن تكون هذه الإستراتيجية مؤسسة على الحاجة للبحث عن المستقبل وليس للهرب من أزمات الراهن. بكلمة أخرى إن ردّات الفعل لا تنفع إلا في إيهامنا بالراحة، أما البحث الحقيقي عن المستقبل فبحاجة لإعمال الكثير من التفكير ووضع الخطط والسيناريوهات التي تأخذ بعين الاعتبار الراهن وتعمل على تجاوزه. والثابت في الحالة الفلسطينية أن الكل الفلسطيني بات في مواجهة رياح عاتية لا تكون مواجهتها إلا بالتفكير الجماعي والإستراتيجية الموحدة.
ثمة خيارات كثيرة يمكن النظر فيها، بالطبع يكون منها التمسك بخيار حل الدولتين رغم كل الصعوبات التي تواجهه، ورغم تراجع فرص تحقيقه. وهذا سيتطلب تكثيفاً للجهود الدبلوماسية والاشتباك الخارجي مع العدو، وتعزيز صمود المواطنين، والأهم من ذلك رفع وتيرة الاشتباك اليومي النضالي مع قوات الاحتلال ليس كردة فعل على قرارات آنية ولا كوسيلة ضغط من أجل التراجع عنها، بل كأداة كفاحية تعجل من تفكيك المشروع الاستعماري وتسرّع من رحيل الاحتلال. وهذا بدوره سيتطلب أثماناً، وتوسيع مفهوم الاشتباك وأدواته حتى لا يقتصر فقط على المقاومة الشعبية التي تم ممارستها خلال السنوات الماضية بجدارة. لكن هنا لا بد من الإشارة السريعة إلى أن الممارسة الفلسطينية خلال الفترة السابقة للمقاومة الشعبية ظلت في نطاق ضيق ولم تندفع نحو أشكال متنوعة منها كان يمكن لها أن تكون أكثر تأثيراً على بنية ومؤسسة الاحتلال وحضوره في الجغرافيا الوطنية. وعليه أيضاً لا بد من إعادة تطوير المقاومة الشعبية حتى تتجاوز الأشكال المعروفة خلال السنوات الماضية.

ودائماً لا بد من التذكير أن المقاومة السلمية قد تكون سلمية من طرف الممارس لكنها عنيفة من جهة قوات الاحتلال. ولكن طالما كان الحديث عن خيار الإبقاء على خيار الدولتين فإن الذهاب للاشتباك مع العدو من أجل تحقيق ذلك لا بد من أن يشمل الخيارات كافة التي بدورها ليست إلا خيارات تهدف إلى تحقيق التطلعات الوطنية ضمن أقل حدود السقف المنخفض للأحلام الكبرى. وهي تعني التمسك بخيار السلام ربما ليس تحت الوصاية الدولية.


ويكون الخيار المضاد هو التحلل من حل الدولتين واعتباره لا يلبي التطلعات الوطنية أو أن التمسك به هو استنزاف للطاقات والوقت وعليه فهو انتحار بطيء لا يجلب أي منفعة ولا حياة فيه بعد الموت.

وهذا بدوره يتطلب وضع خيارات بديلة. يتمثل الأول في الذهاب نحو خيار الدولة الواحدة وهو الخيار الذي بدأ ينمو في أدبيات الحركة الوطنية، خاصة "فتح"، فيما يتمثل الثاني في العودة إلى قرار التقسيم بوصفه المرجعية الوحيدة التي يشار فيها إلى كيان للسكان العرب في فلسطين، ويمثل توزيعاً أقل ظلماً للأراضي بين الفلسطينيين واليهود، وبالتالي يحل بعض المشاكل العالقة حيث سيبيح عودة الكثير من اللاجئين إلى أماكن سكناهم، وربما يصار إلى إجراء تبادل طفيف وفق الكثافة السكانية.

وهذا خيار بحاجة لتأمل وتعمق ودراسة. وبالعودة إلى الخيار الأول في هذا السياق والمتمثل بالدولة ثنائية القومية أو الدولة الواحدة يجب التذكير بأنه قديم في أدبيات الحركة الوطنية وربما كان من أوائل صياغات "فتح" السياسية، لكنه اختفى وتلاشي في تلك الأدبيات لصالح حل الدولتين وقرار 242 وغيره من القرارات التي أسست لحل الدولتين.

أيضاً هذا الخيار بقدر ما قد يشكل إغراءً إلا أنه لا يخلو من مصاعب. بداية إن الذهاب إليه بسبب فشل خيار الدولتين يقول: إنه ردة فعل غير مؤسسة على قناعة. قناعة تتطلب شجاعة بقبول الآخر مواطناً ومسؤولاً في أجهزة الدولة الواحدة. ولما لسنا بصدد مناقشة ذلك يجب التذكير بأن هذا الخيار ربما يحتاج إلى تقديم تضحيات أكثر جسامة وستتم مواجهته بشراسة كبيرة، خاصة أنه سيقتضي مقاومة سلمية وعصياناً مدنياً وهدماً للحدود وتمرداً على مؤسسات الاحتلال وإدارته المدنية، وسيتطلب إستراتيجية جديدة لانخراط فلسطينيي الداخلي وقوى السلام اليهودية في هذا النضال، وعليه هيئات قيادية وهياكل وبنى مختلفة. ليست قصة معقدة ولكنها مثل كل خيار بحاجة لظروفها الخاصة.


مقابل ذلك، يمكن للقيادة الفلسطينية أن تذهب باتجاه إعلان الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران وتطالب دول العالم بالاعتراف بالدولة وعاصمتها القدس الشرقية أو حتى ترك قضية القدس مفتوحة بعدم القول بالقدس الشرقية بل القدس. طبعاً وقتها سنعرف الصديق من العدو، لكن موقفنا سيكون أكثر صلابة. فوائد كثيرة يمكن الاستفادة منها في حال تبني هذا الخيار أولها هو الحفاظ على منجزات السلطة والحفاظ على التراكم القانوني الذي حدث في السنوات الأخير ومواجهة أقل مع العالم الذي يميل لحل الدولتين؛ لأن هذا يعني التمسك بحل الدولتين من طرف واحد. فإسرائيل ستعارض ذلك وتعتبره حلاً أحادياً. في المحصلة الكثير من دول العالم ستعترف بالدولة الفلسطينية وسيتطلب هذا رفع التمثيل الدبلوماسي لها إلى مستوى سفارة. لكنه أيضاً سيخلق الكثير من المماحكات مع الإدارة الأميركية التي ستحشد قوة مضادة لذلك، قد تدفع باتجاه حل آخر من طرف واحد، يتمثل في الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس "على" حدود الرابع من حزيران بل "في" حدود الرابع من حزيران، (وبين "على" و "في" مسافة كبيرة) ما يعني ترك أمر هذه الحدود للمفاوضات التي لا بد من أن يتم بعثها بين الطرفين.


فلسطينياً، هذا يتطلب التمسك بمؤسسات السلطة وإعادة تعريف مهامها الانتقالية التي ليست إلا نواة كيانية للدولة الفلسطينية وفق التطلعات الوطنية. وعليه فإن شوطاً كبيراً قد تم قطعه في هذا الاتجاه، أسس لظهور مؤسسات الدولة، ولسنا بحاجة لأكثر من إعادة تعريفها. مرة أخرى كل خيار له مثالبه أيضاً؛ لأنه ضمن أشياء كثيرة فإن هذا الخيار سيعني مواجهة ما مع إسرائيل ومواجهات يومية؛ لأن الحرية ممارسة يومية كما يقولون. وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من أن يكون السؤال أوسع وأكثر عمقاً: هل يستحق التمسك بحل الدولتين والدولة من طرف واحد هذه الأثمان التي قد تكون باهضة. بالطبع ثمة مفاوضات لا بد من أن تتم في نهاية المطاف ينتج عنها تبادل أراض أو تعديلات على الحدود، لكن حتى الوصول إلى تلك النقطة فالثمن سيكون عالياً. وإذا كان لا بد لهذه الأثمان من أن تدفع أليس الأوجب أن يتم دفعها من أجل شيء أكبر. في الحقيقة علي الاعتراف بأنني من أنصار الكيانية الفلسطينية، الفكرة القائلة: إن على الفلسطينيين أن يكون لهم دولتهم الخاصة بهم أولاً وقبل كل شيء، قبل البحث عن أي اندماج أو تعديل في مسار هذه الكيانية. وهذه قضية أخرى قد نناقشها في مقال آخر. وبالعودة إلى الأثمان الباهظة فإن السؤال الإستراتيجي يتعلق أكثر لا بردة فعل العدو، بل بالمطالب والتطلعات.


وربما نقيض هذا هو ما يلذ للكثير الدعوة له من حل السلطة. ويقوم هذا الخيار على أن السلطة استنفذت مهمتها ولم تنجح في التحول لسلطة، وعليه على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته في مجابهة آخر قوى الاحتلال (العالم مليء بالاحتلال لكننا لا ندرك ذلك). يتركز هذا الخيار على تفكيك السلطة وتحمل إسرائيل بصفتها قوة احتلال مسؤوليتها عن الضفة الغربية (القطاع خارج هذه الحسبة)، وعلى العالم أن يقول كلمته إزاء ذلك. أيضاً في مثل هذا الخيار الكثير من ردة الفعل وبعض الصواب مثل كل الخيارات الأخرى. لأن أول سؤال يتبادر للأذهان هو: ماذا نفعل بالمؤسسات التي يعتبر وجودها مكسباً سياسياً وقانونياً للشعب الفلسطيني رغم كل شيء. والجانب الآخر يتعلق بالموظفين والحقوق وغير ذلك. لكن سياسياً يظل السؤال الأكبر إذا كانت الضفة الغربية ستعتبر محتلة، ماذا عن قطاع غزة ؟


أما الخيار الأخير، حتى لا يطول النقاش، فيتمثل في الانكفاء. يحمل هذا الخيار جرأة مختلفة لأنه يتطلب انكفاءً مؤقتاً في قطاع غزة وحفاظاً على حقوق الناس والموظفين، وقدراً معيناً من المؤسسات في الضفة الغربية والانطلاق من هناك في عملية تفكيك للاحتلال وطرده، وهذا الخيار سيعني العودة لمستوى مرتفع من المواجهة تعود فيها الحركة الوطنية إلى أغلبية أدبياتها السابقة المتعلقة بالكفاح المسلح وممارسته مع تأكيد أن هذه الممارسة هي لفرض السلام الذي تطلبه الشرعية الدولية من إسرائيل.

هذا سيعني ضمن أشياء كثيرة تعزيز الحركة الوطنية في غزة، وصياغة تفاهمات جديدة مع الإسلام السياسي. الانكفاء الذي يمثل ضم السيقان قبل الوثبة. ولكن أيضاً مثل هذا الخيار سيحمل الكثير من المخاطر والتهديدات لأنه سيعني تفكيك السلطة في الضفة وبالتالي خسارة الكثير من المكتسبات الوطنية.


أيضاً ثمة فرصة لطلب الحماية الدولية وإحالة كل الملف إلى المجتمع الدولي. هذا يتطلب تحديد ماذا نريد من وراء ذلك آخذين بعين الاعتبار موازين القوة في العالم والفيتو الأميركي المرتقب؛ لأن التعويل على المؤسسات الدولية سيعني العودة إلى ترتيب العلاقة مع هذه القوى. ولكن أيضاً هل يمكن المواءمة بين هذا المطلب والحفاظ على المكتسبات.
وفي قلب كل ذلك لا يجب أن يغيب الشتات الفلسطيني عن النقاش.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد