جوال

الوحدة الإسلامية، والوحدة المسيحية... تضاد المسار

د. جميل سلامة

د. جميل سلامة


يشكل الإسلام والمسيحية في عالم اليوم أكبر ديانتين سماويتين في المعمورة ويفوق عدد المعتنقين لكل منهما من البشر أكثر من مليار ونصف مليار من سكان الأرض، ويزيد عدد المسيحيين عن عدد المسلمين بنحو نصف مليار تقريبا.

شهدت بدايات الديانتين اختلافات فقهية ولاهوتية بين قادتها من علماء وحكام ونخبة وأخذت هذه الاختلافات أحياناً طابعاً فكرياً وتفسيرياً وتأويلياً للنصوص حاداً وعنيفاً وصل إلى حد التكفير والخروج من الإيمان أحياناً، وأحياناً أخرى طابعاً صدامياً خلف دماء وضحايا، وهذا الاختلاف بنوعيه ترك جروحاً عميقة وآثاراً غائرة لا زالت مستمرة حتى حاضرنا اليوم، وترجمت  هذه الاختلافات في صورة انقسامات مذهبية وطائفية ومرجعية متعددة متنافسة تارة و متناحرة تارة أخرى.

انقسم المسيحيون على أنفسهم رغم المجامع المسكونية التي عقدوها ونظموها لتوحيد قانون الإيمان والعقيدة بدءاً من مجمع نيقية مروراً بمجمع القسطنطينية وأفسس الأول وأفسس الثاني" الذي رفضته كنيسة المشرق القديمة و أنكرت مجمعيته " وصولاً إلى مؤتمر خلقدونيا عام 451 م المفصلي وما تبعه من مجامع مختلفة، فاستقلت كنائس الشرق" الأقباط الأرثوذكس والسريان الأرثوذكس والآرمن الأرثوذكس" الذين يؤمنون بطبيعة واحدة للمسيح مقابل الكنيسة الغربية بجناحيها " كنيسة روما الكاثوليكية  والكنيسة البيزنطية الأرثوذكسية " الذين يؤمنون بطبيعتين للمسيح ناسوتية ولاهوتية، قبل أن تنقسم هذه الأخيرة الخلقدونية على نفسها عام 1054م وتنشق عنها الكنيسة الأرثوذكسية بكراسيها الأربعة ، ولم يتوقف هذا الانقسام الكبير عند هذا الحد فحسب ،  ففي العام 1529 م تمرد الإصلاحيون بقيادة مارثن لوثر على سلطة البابا في روما وانشقوا عنه بعد رفض مطالبهم الاصلاحية وأسسوا المذهب البروتستانتي ( الإحتجاجي) الذي بدوره يضم مذاهب وكنائس فرعية مختلفة كالإنجيليين واللوثريين والمصلحين( الكالفينيين ) والانغليكانيين الاسقفيين والمعمدانيين...إلخ، ولكل من هذه الطوائف والكنائس  كنيستها الخاصة بها ومرجعيتها الإدارية

 

 (*) قراءة مقارنة في واقع ومستقبل التقارب المسيحي – المسيحي و الاسلامي –الاسلامي في عالم اليوم .

وشخصيتها الاعتبارية المستقلة ومجمعها المقدس وتفسيرها الخاص للكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد على حد سواء. 

        أما الإسلام الذي بزغ من جزيرة العرب بوحي السماء للرسول محمد عليه الصلاة والسلام بعد ستة قرون من ميلاد السيد المسيح عليه السلام لم يكن بأحسن حال من المسيحية فيما يتعلق بالإنقسام الذاتي، فبعد وفاة الرسول بدأت ارهاصات الانقسام من سقيفة بني ساعدة وانعقاد البيعة للخليفة الأول أبي بكر ( رضي الله عنه) ومن بعده الخليفة العادل عمر بن الخطاب مروراً بعهد عثمان ومقتله على أيدي المسلمين أنفسهم وصولاً إلى زلزال الفتنة الكبرى بين على بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان والتي امتدت لذريتهما ( يزيد والحسين) ومن بعدهما والتي أدت إلى تموقع أشياع علي وأبنه الحسين وأنصار آل البيت في تيار جديد تطور ليصبح مذهب التشيع ويطلق على أنصاره الشيعة الذين يشكلون اليوم في العالم نحو(10-15 %) وعلى   سُدس العالم الإسلامي، وبالمقابل باقي المسلمين وأنصار الخلافة الأموية ومن بعدها الخلافة العباسية مروراً بالمماليك ووصولاً إلى العثمانيين أخذوا يتموقعون في مربع أنصار السنة والجماعة أو المذهب السني الذين يشكلون السواد الأعظم من العالم الإسلامي الكبير.

لا يتسع المجال هنا للخوض في خلفيات هذه الانقسامات وحيثياتها وانعكاساتها المدمرة على المعسكرين المسيحي والإسلامي على حد سواء، ولا أريد التطرق إلى من المصيب؟ ومن المخطئ؟ أو من الجاني؟ ومن الضحية؟، ولكن ما يمكن الإشارة اليه في هذا المضمار أن هذه الانقسامات لم تخلُ من التعصب في الرأي واحتكار تفسير النصوص وتأويلها واضفاء القداسة على رأي بشري يخطئ ويصيب ولم تكن بعيدة أيضاً عن الهوى وحب السلطة والزعامة والتسلط ونزعة الحكم التي أخر ما تنزع من الإنسان عند وفاته، إلا أن هذه الإنقسامات خلقت حالة من التشظي داخل الديانتين وأتباعهما ومست صلابة العقيدة والهيبة الروحية وعرقلت انتشارهما المرجو وخلقت عداوات وصراعات تاريخية رهيبة وأسالت دماء غزيرة وتركت لنا المشهد الحالي لانقسام هاتين الديانتين على ذاتهما.

 يجدر التنويه هنا إلى أنه خلال عمر الديانة المسيحية التي تتجاوز الألفيتين وعمر الإسلام الذي يناهز الألفية والنصف شهدا العديد من الحراكات والمراجعات من علماء ومفكري ومصلحي الديانتين وفي حقب ومحطات عديدة لرأب الصدع وطي صفحة الخلاف ووحدة الموقف وتوحيد العقيدة وقوانين الإيمان بين مذاهبها وأتباعها إلا أن هذه الجهود والمحاولات لم يحالفها النجاح وبقيت تراوح مكانها  دون أي اختراق حقيقي وجاد للجدران الصلبة والمؤسسة الفاصلة بينها رغم اللقاءات والاجتماعات والاحتفاليات العديدة بين أقطابها .

 اليوم وفي القرن الحالي وبالتحديد في العقد الأخير، يبدو أن الأمر مختلف تماماً وليس كسابقه وأن هنالك في الأفق تحول فعلي يشكل مرحلة فاصلة بين مرحلتين رغم المفارقة الغريبة بين الديانتين، مفارقة متضادة أخذت المسيحية نحو مسار الوحدة وساقت الإسلام نحو مسار تعميق الانقسام ومزيد من التشرذم.

المسيحيون اليوم يلتقون بشكل حثيث و جاد اليوم لتحقيق حلمهم بالوحدة المسيحية والكنيسة الواحدة والمرجعية الموحدة عالمياً وقد قطعوا خطوات فعلية وملموسة بينهم رغم قرون طويلة من العداء والانقسام، فهذا البابا فرنسيس بابا الفاتيكان ورأس الكنيسة الكاثوليكية يطير إلى العاصمة الكوبية هافانا ليوقع اعلاناً مشتركاً مع البطريرك كيريل بطريرك موسكو و عموم روسيا وأحد أبرز المرجعيات الأرثوذكسية في العالم، وقبلها مع بطريرك الكرسي الأرثوذكسي في القسطنطينية برثلماوس الأول ثم يتجه إلى مدينة لند السويدية ليوقع مع المطران منيب يونان رأس الكنيسة الانجيلية اللوثرية في العالم اعلانا للقاء والوحدة،  وأخيراً إعلانه المشترك مع البابا تواضروس بابا الاسكندرية والكرازة المرقسية و رأس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في العالم واعتماد معمودية الكنيست ين.

 ولم تقتصر هذه اللقاءات الوحدوية بين العائلات المسيحية المختلفة بل امتدت لداخل العائلة المسيحية الواحدة، فهذا البابا فرنسيس يعترف كبابا الفاتيكان و رأس الكنيسة الكاثوليكية العالمية أن مارثن لوثر ورفاقه كانوا اصلاحيين داخل الكنيسة الجامعة ولم يكونوا هراطقة أو متمردين، وكذلك لقاءاته المستمرة مع الكنيسة البروتستانتية، و الحال ذاته أيضاً داخل الكنيسة الأرثوذكسية ولقاء بابا الاقباط بمصر مع بطريرك القسطنطينية الأرثوذكسي ولقاءه الأخير مع بطريرك موسكو كيريل حيث ثم تكريم البابا تواضروس بجائزة تعزيز الوحدة بين الأرثوذكس تقديرا لجهوده المتواصلة والنشطة في مجال وحدة الكنيسة الأرثوذكسية العالمية ، إضافة إلى الصلوات الموحدة والتقارب الدؤوب بين الكنائس المختلفة.

لا أريد هنا أن أوضح أن الوحدة المسيحية قادمة غداً أو بعد غد أو أنها قاب قوسيين أو أدنى، ولكن ما أريد التنويه إليه أنه رغم الإنقسام التاريخي الحاد هذه الطوائف المسيحية الذي تمأسس وتجذر إلا أن قطار الوحدة قد انطلق فعلاً والألف ميل يبدأ بخطوة واحدة وأعتقد أن هنالك خطوات مضت ولا زالت مستمرة وحثيثة وبنوايا صادقة ومخلصة من جميع أقطاب الكنائس المسيحية المختلفة .

في المقابل المعسكر الإسلامي وبالتحديد المذهبين السني و الشيعي وبعد جهود سابقة مقدرة لوحدته أو على الأقل خلق أرضيات وقواسم مشتركة انهار فجأة كل شيء رسمياً وشعبياً، فالسعودية أرض الحرمين ومهد الاسلام الأول ومحج مسلمي الأرض ومصر الأزهر الشريف يشكلان أهم أركان المعسكر السني باتا اليوم رأس الحربة في مواجهة المعسكر الشيعي بقيادة ايران، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تطور لتحالف (اسلامي) رسمي مع الغرب (المسيحي) بقيادة ترامب في قمة الرياض الأخيرة لمواجهة ايران والتيار الشيعي العالمي الذي تقوده – رغم عدم تورط الكنيسة في ذلك- ، ويخرج علينا العلامة القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يضم سنة وشيعة ليتهم ايران بقيادة التبشير الشيعي في الوسط الإسلامي ويتحدث عن مراجعات بمسيرة الوحدة الإسلامية بين السنة والشيعة والتقارب بينهما، وهذا حزب الله الشيعي في لبنان الذي لطالما شكل نموذج الجهاد الإسلامي ضد الاحتلال والاستعمار للمسلمين السنة قبل الشيعة ينهار رصيده التراكمي بتدخله في سوريا والعراق في تأجيج واضح للبعد المذهبي في ظل ثورات الربيع العربي المغدور، هذا علاوة على الانقسام السنى ذاته بين الاسلام الرسمي و جماعة الاخوان المسلمين و فروعها في العالم السني والجماعات الاسلامية الأخرى، مروراً ببعض التيارات السلفية والجهادية كداعش وأخواتها التي مزقت الشمل الاسلامي" السني والشيعي على السواء" وشوهت صورة الاسلام بسلوكياتها المتزمتة الغريبة مع المسلمين أنفسهم و بحق أخوانهم المسيحيين أبناء المنطقة ذاتها ، والاطار الشيعي ليس بأحسن حال رغم انه يفوق الاطار السني تماسكاّ وانقساماته حول ولاية الفقيه و مرجعيتها الايرانية الحصرية .

حالة تشظي وتفتت وصراع دموي استحضر احقاد الماضي ووقائعه الرهيبة في مشهد دامي أوصل البعض إلى حالة من الإحباط والقنوط واليأس من تجاوزه والعودة لمربع الوحدة الإسلامية المنشودة التي يتوق لها جمهور الأمة الإسلامية.

مساران متضادان حقاً، قطار الوحدة المسيحية يمضي باقتدار وبإصرار متجاوزاً محطة تلو المحطة وفق رؤية واضحة ومتكاملة، ويقابله  نظيره قطار الوحدة الإسلامية الذي يعود الى الوراء مخلفاً محطة تلو المحطة في مشهد يثير التأمل المقارن بين القطارين ومسارهما رغم الخلاف العقدي واللاهوتي الكبير بين المسيحين مقارنة بنظيره بين المسلمين.

 من الفارس في الأول ؟ ومن شركاؤه ؟ ومن الجاني في الثاني؟ ومن حلفاؤه ؟، من يحمل مشعل البناء ؟ ومن يحمل معول الهدم؟ !!!

ان المستقبل كفيل بالحكم على تجربة الوحدة المسيحية التي تبدو واعدة ومتقدمة وتسير بخطى حثيثة و مدروسة ، أما التجربة الأسلامية فهي على المحك اما الاستمرار في حالة الانحدار المدوية القائمة واما تصويب المسار وأخذ العبر و الدروس من التجربة المسيحية باعتبار رسالة الأديان واحدة وفي صلبها توحيد الله ووحدة المجتمع والأمة .

 من المؤكد أن فرسان قطار الوحدة المسيحية ستخلدهم ذاكرة أمتهم وأبناء دينهم، أما الجناه من صناديد السنة والشيعة على السواء الذين شوهوا لوحة الإسلام الناصعة وعطلوا فريضة وحدتهم التي سطرها قرآنهم " إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" وانحرفوا عن مسار رسولهم محمد الذين يزعمون الانتساب لمنهجه والذي أسس وأرسى مجتمعاً إسلاميا واحد موحداً" المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ثم شبك أصابعه "، نترك الحكم عليهم لأبناء أمتهم ودينهم الذين لن يترحموا عليهم وسيكنسوا تراثهم وفتنتهم العبثية ليضعوا قطار الوحدة الإسلامية على سكته الصحيحة والمرجوة ويجسدون إرادة أمتهم وقبلها ارادة الله ليتلاقى قطارهم مع قطار الوحدة المسيحية ليصنعا معاً لوحة سلام ووئام و تسامح وعيش مشترك وتنمية واستقرار للمعمورة بأسرها و للإنسانية جمعاء.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر اصحابها، وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية


الأخبار الأكثر تداولاً اليوم