أنديتنا الغزية .. وبعد؟!
بقلم: إسلام صقر
"عادت ريما لعادتها القديمة" .. مثل شعبي يلخِّص كثيرًا من الحكاية الجديدة القديمة، حكاية دورينا الغزي الممتاز الذي يشهد تناقضًا غير مبرر ما بين أقوال جُلِّ أنديته وأفعالها.
المتأمل لواقع هذه الأندية يجدها تهرول مجددًا خلف صفقات تقدر قيمتها بآلاف الدولارات خاصة في هذه الأوقات ونحن على أعتاب الموسم الكروي المقبل 2017-2018 .. والمثير للانتباه أن هذه المصروفات الكبيرة تحصل رغم معاناة الأندية المالية خاصة في الدوري المنتهي لتوِّه، والذي كاد يتوقف في مراحله الأخيرة بعدما هدد اللاعبون بالدخول في إضراب جماعي إثر تأخر منحة الرئيس البالغة "25" ألف دولار لكل فريق من دوري الدرجة الممتازة، والتي بدورها لم تروِ ظمأهم عقب وصولها؛ إذ إنها بالكاد تغطي جانبًا بسيطًا من تعاقدات الأندية، خاصة مع لاعبي التعزيز الذين تتخطى عقود بعضهم "13" ألف دولار في الموسم الواحد الممتد ل"8" أشهر، والذين لم يقدم جزء منهم مستوىً فنيًا يرقى لهذه القيمة المالية المرتفعة.
وليس من نافلة القول الإشارة إلى أن ما يدعو للدهشة هو عدم تناسب المصروفات الكبيرة للأندية مع قيمة البطولة التي لا تزال غير معترف بها في أجندة الاتحاد الآسيوي، وبمعنى أكثر وضوحًا: نحن بصدد دوري "هواة" يفتقر فيه البطل حق التمثيل الخارجي سواء على الصعيد العربي أو القاري، وحتى مكافآته المالية على اختلاف مصادرها لا ترقى لحجم بعض ما تم صرفه من الفريق المتوَّج.
وبطبيعة الحال فما تقدم لا ينفي أهمية الحصول على لقب الدوري الممتاز الذي يمثل فخرًا وتاريخًا لأبطاله يتغنون به على مدار السنين .. لكنَّ هذا الإنجاز بحاجة لأن تكون مقدماته أكثر عقلانية في ظل المعطيات القائمة وحتى الحصار الاقتصادي المفروض على المحافظات الجنوبية، والذي لا ينفك عن باقي جوانب الحياة، وفي القلب منها الرياضة.
لكنْ وحتى لا نبكي على اللبن المسكوب، هل من حلول ممكنة لجعل مصروفات الأندية أكثر منطقية؟
أعتقد بل أكاد أجزم بأن هذا ممكن جداً، فالتخطيط السليم يفضي إلى نتائج مميزة، ومن خلال الاقتراحات التالية نحاول أن نضع بعض النقاط على الحروف:
1- "ناشىء اليوم نجم المستقبل" .. وعليه من الأهمية بمكان أن يكون الناشئون في صلب اهتمام الأندية، ما يمهد الطريق لأن يكون أبناء هذه الأندية فرس الرهان.
2- لا بد من تشكيل لجان فنية في الأندية تحدد الاحتياجات الفنية بدقة بعيدًا عن العشوائية وعدم التخطيط، وتُراقب اللاعبين من الدرجات الأولى والثانية والثالثة علَّهم يجدوا ضالتهم هناك، حيث المواهب المدفونة وبأسعار معقولة.
3- يجب وضع سقف مالي للتعاقدات يعطي اللاعبين حقهم من جهة، ولا يرهق كاهل الأندية من جهة أخرى، من خلال ميثاق شرف بين الفرق تحت مظلة اتحاد كرة القدم.
4- على الأندية أن تجتهد في توفير مصادر دخل ذاتية تعينها على تلبية متطلبات الموسم الرياضي في الألعاب كافة، وليس كرة القدم فحسب.
5- الإعلام الرياضي هو الآخر عليه أن يقوم بدوره التوعوي الناقد والموجِّه حتى يختصر كثيرًا من خطوات الحل.
6- من المهم عقد ورشات عمل تضم خبراء وأكاديميين وإعلاميين؛ لدراسة الموضوع بتعمق، والخروج بتوصيات تشكل أرضية عمل خصبة للأندية.
ولنا في بطل الدوري "الصداقة" ووصيفه "خدمات رفح" خير مثال، فكلاهما اعتمد على أبناء النادي مع قليل من التعاقدات المدروسة بعناية، ما أوصل سفينة الناديين إلى بر الأمان، وجعلهما يحققان أفضل نتائج ممكنة.
إذًا فكرة القدم باتت علمًا، وتخطيطًا، واستثماراً، وعليه من المهم أن يكون تخطيط أنديتنا حاضرًا على المدى القريب والمتوسط، وقبلهما البعيد، ومن كافة النواحي؛ حتى تجنب نفسها الدخول في متاهات هي في غنىً عنها.
آخر القول .. كرة القدم الغزية في طَور التقدم، ومن المهم أن تكون خطواتها واثقة، لا أن تقفز في الهواء دون اتِّكاء على قاعدة صلبة، فالأموال الطائلة – على أهميتها – لا تكفي لصناعة المجد، بل بالعمل والجهد والإصرار وحسن التخطيط نتجاوز كل الحدود ونصنع المستحيل، تمامًا كقول أمير الشعراء أحمد شوقي: وما نيل المطالب بالتمني *** ولكن تؤخذ الدنيا غِلابا.
