في الوقت الذي يتجرع فيه شعبنا في قطاع غزة مرارة نزيف مستمر وتداعيات كارثية لحرب طاحنة حصدت الأخضر واليابس على مدار ثلاث سنوات متواصلة، يطل علينا المجتمع الدولي بقرارات غير محسوبة تعمق الجراح وتجهز على ما تبقى من مقومات الحياة؛ حيث يأتي قرار برنامج الأغذية العالمي بتقليص مساعداته الغذائية والنقدية لنحو نصف مليون فلسطيني ليشكل ضربة قاسية للبنية الاجتماعية والإنسانية المتهالكة أساساً، ومؤشراً خطيراً على خلل هيكلي في التعاطي مع أكبر أزمة إنسانية يشهدها العصر الحديث.
إن الخطورة البالغة لتقليص هذه المساعدات تتجلى بأبشع صورها في استهدافها المباشر للشريحة الأوسع والأكثر تهميشاً في المجتمع، وهي الفئات التي تفتقر بالأساس لأي أمان اقتصادي أو شبكات حماية اجتماعية، وفي مقدمتها الطبقة العاملة ومحدودي الدخل الذين شُلت قدرتهم التشغيلية بالكامل، إضافة إلى الفئات الأكثر ضعفاً كالأيتام، الأرامل، كبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، وإن حرمان هذه الشرائح الهشة من المقومات الأساسية للبقاء لا يمثل مجرد تعميق لمحنتهم، بل يُعد دفعاً قسرياً لهم نحو القاع المتجرد من أدنى درجات الكرامة الإنسانية، مما يكرس حالة من الإقصاء المجتمعي ويضاعف من انعدام الأمان النفسي لديهم، ليتحمل هؤلاء الأكثر ضعفاً القسط الأكبر من فاتورة التجاهل والخذلان.
تتضاعف هذه المعاناة وتزداد قسوتها في ظل ظروف النزوح القسري والعيش القاسي داخل الخيام ومراكز الإيواء التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة الآدمية؛ حيث يجد العمال ومحدودو الدخل أنفسهم بلا عمل ولا مصدر دخل، يقاومون البرد والحر والجوع في خيام متهالكة، وفي مثل هذه الظروف الاستثنائية، تجيء قرارات تقليص المساعدات دون توفير بدائل لتسلب من هؤلاء النازحين سلتهم الغذائية الأخيرة، وتتركهم يواجهون الغلاء الفاحش واحتكار الأسعار بجيوب خاوية وبطون جائعة، مما يجهز على أخر أسباب صمودهم اليومي.
وينعكس هذا التراجع الإغاثي بصورة مباشرة على النسيج المجتمعي ككل، حيث يجهز على شبكات التكافل الأهلي التي اعتمد عليها الغزيون؛ إذ إن قطع المساعدات يدفع بمئات آلاف الأسر من مرحلة الاعتماد على الإغاثة إلى العدم المطلق، ما يلقي بعبء يفوق الطاقة على العائلات المضيفة والجيران المنهكين، ويؤدي بالتالي إلى تصدع الروابط الأسرية وزيادة حدة التوترات النفسية والاجتماعية داخل الخيام، فضلاً عن تفشي سوء التغذية الحاد والأمراض بين الأطفال والنساء الحوامل والمرضى في ظل منظومة صحية متداعية.
تتحمل المؤسسات الدولية والاحتلال المسؤولية الكاملة والمباشرة عن هذه التداعيات الكارثية الناجمة عن سياسة التجويع وتقليص الدعم، في ظل استمرار الحرب الممنهجة، والحصار الخانق، والارتفاع المهول في معدلات الفقر والبطالة؛ إذ إن هذا النقص الحاد في الغذاء لم يعد أزمة إنسانية عابرة، بل غدا تهديداً وجودياً يضرب عمق الاستقرار والسلم الأهلي ويُفشل كل مقومات الصمود.
إن أشد ما يدمي القلب ويستدعي النقد الحاد والمباشر للمنظومة الدولية والمؤسسات الأممية، هو إقدامها على تقليص هذه المساعدات الحيوية ودق ناقوس الخطر دون تقديم أو ابتكار أي بدائل تنموية أو إغاثية طارئة تسد هذا الفراغ المروع، كيف يُطلب من مجتمع نازح ومحاصر، دُمّرت مصانعه ومزارعه وأُبيدت أسواقه، وشُلّت قدرته الإنتاجية تماماً، أن يتكيف مع غياب السلة الغذائية دون إيجاد برامج تمكين، أو خطط دعم نقدي مباشر للعمال والفقراء، أو ممرات إنسانية مستدامة؟
إن الانسحاب التدريجي للمؤسسات الدولية دون وضع بدائل حقيقية يحول الإغاثة من مسؤولية أخلاقية وقانونية إلى أداة لترك الضحية لمصيرها المحتوم وسط الخيام والنزوح، وهو ما يتطلب موقفاً دولياً ونقابياً ضاغطاً يفرض توفير الاحتياجات الأساسية فوراً كحق إنساني أصيل غير قابل للمساومة أو الابتزاز، ويستدعي تحركاً عاجلاً من الاتحادات العمالية والهيئات الإنسانية عبر العالم لتوفير شبكات أمان بديلة تسند صمود العمال والعائلات المنكوبة.
المصدر : وكالة سوا
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
