قد تكون أخطر نتيجة للانتخابات القادمة، إن حدثت، ليست سقوط حزب أو صعود آخر، بل أن يدخل الفلسطيني إلى صندوق الاقتراع وهو يحمل في ذاكرته كل بيتٍ هُدم، وكل طفلٍ خاف، وكل عائلةٍ نزحت، وكل مزرعة دمرها المستوطنين، وكل شابٍ فقد مستقبله، وكل وعدٍ سياسي لم يصل إلى شيء.

هناك شعوب تعاقب أحزابها لأنها رفعت الضرائب، أو أخفقت في إدارة الاقتصاد، أو أخطأت في ملف سياسي. أما الفلسطيني، فقد يُطلب منه أن ينتخب بعد سنوات طويلة كان السؤال فيها أكثر بدائية وقسوة: كيف نبقى على قيد الحياة؟

في غزة ، لم يعد المواطن ينظر إلى السياسة من شرفة الخطابات. لقد نزلت السياسة إلى قاع حياته، إلى الطحين والماء والدواء، إلى الخيمة، وإلى البيت الذي لم يعد بيتاً، وإلى المقبرة التي اتسعت أكثر مما ينبغي.

نحو عقدين من إدارة حركة حماس للقطاع، ثم سنوات الحرب والإبادة وما حملته من دمار وفقدان ونزوح، تضع الحركة أمام امتحان ثقيل: ماذا ستقول للناس عندما تسألهم عن سنوات حكمها، وعن حصيلة تجربتها، وعن الثمن الذي دفعه الناس؟

وفي المقابل، تقف حركة فتح أمام مرآة أخرى لا تقل قسوة.

ماذا فعلت الحركة التي تتصدر المشهد الوطني طوال سنوات الانقسام؟ هل استطاعت أن تمنع تحول غزة إلى جغرافيا منسية؟ ماذا فعلت لتحمي أهل الضفة من التغول اليومي لقطعان المستوطنين، هل نجحت في أن تجعل مشروعها السياسي مقنعاً للفلسطيني العادي؟ وهل استطاعت أن تمنح الناس، في غزة والضفة، شيئاً يتجاوز الخطاب عن الشرعية والوطنية والمشروع الوطني إلى إحساس حقيقي بأن هناك مستقبلًا يمكن الوصول إليه؟

ثم ماذا عن بقية الفصائل؟

أين كان اليسار الفلسطيني، بكل تاريخه وتضحياته وخطابه التقدمي، عندما احتاج الناس إلى قوة سياسية تفتح نافذة في الجدار؟

وأين كانت القوى التي اعتادت أن تتحدث باسم الشعب، بينما كان الشعب يبحث عمن يتحدث معه، لا عنه؟

ربما تكون هذه هي المعضلة الفلسطينية الكبرى: أحزاب كثيرة تتحدث عن الشعب، وشعبٌ يبحث عن أحزاب تسمعه.

لقد تغير الناخب الفلسطيني.

لم يعد مستعداً بالسهولة نفسها لأن يمنح صوته مقابل التاريخ، أو الشعارات، أو صور الشهداء، أو الذاكرة الوطنية وحدها. التاريخ مهم، والتضحيات مقدسة، لكن المواطن يريد أن يعرف ماذا سيحدث غداً.

الناخب يريد مدرسة، يريد مستشفى، يريد عملاً، يريد بيتاً، يريد أمناً، يريد كرامة، يريد عنصر أمن يحميه من هجمات المستوطنين. ويريد قبل كل ذلك أن يعرف أن أبناءه لن يرثوا الحرب كما ورث هو الانقسام. لذلك، قد لا تكون الانتخابات المقبلة، إن جرت، مجرد منافسة على المقاعد. قد تكون جلسة حساب شعبية مؤجلة منذ سنوات، لكن الحساب هذه المرة لن يكون بسيطاً. قد يُحاسب حزب على ما فعله، وآخر على ما لم يفعله، وثالث على أنه لم يكن حاضراً أصلاً عندما احتاجه الناس.

وقد تكون أقسى عقوبة سياسية ليست التصويت لحزب آخر، وإنما الامتناع عن تصديق الجميع.

وهنا يجب أن تنتبه القوى السياسية إلى أمر بالغ الخطورة: الغاضب لا يبحث دائماً عن بديل جاهز؛ أحياناً يبحث فقط عن طريقة يقول بها: كفى.

لكن هل يكفي الغضب؟، لا.

فالشعب الذي عانى كل هذا لا يحتاج إلى تبديل الوجوه فقط. يحتاج إلى تغيير طريقة التفكير السياسي نفسها.

يحتاج إلى أحزاب تنزل من أبراجها إلى الشارع، وتتعلم أن تسمع قبل أن تتحدث، وأن تعترف قبل أن تبرر، وأن تقدم برنامجاً للحياة لا برنامجاً دائماً لإدارة الأزمة. لقد تعب الناس من السياسة التي تبدأ بالتحشيد وتنتهي بالخذلان. تعبوا من الانقسام، تعبوا من الوعود، تعبوا من النخب التي تتحدث عن المستقبل بينما يعيش المواطن يومه بحثاً عن أساسيات الحياة.

ولهذا، فإن الانتخابات القادمة، إن وصلت، قد تكون لحظة فارقة لا لأن صندوق الاقتراع سيغيّر وحده الواقع، بل لأنه قد يكشف كم تغيّر الإنسان الفلسطيني نفسه. لقد أصبح أكثر شكاً، وأكثر غضباً، وأقل استعداداً لمنح الثقة بلا مقابل.

وربما تكون الرسالة الأقسى التي سيحملها الصندوق هي أن الشعب لم يعد يسأل فقط: من يمثلني؟

بل أصبح يسأل:

من كان معي عندما لم تكن هناك انتخابات؟

ومن بقي إلى جانبي عندما لم تكن هناك كاميرات؟

ومن امتلك الشجاعة ليقول الحقيقة عندما كان الصمت أكثر راحة؟

ومن أعطاني سبباً واحداً لأصدق أن الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس؟

تلك هي الأسئلة التي ستدخل مع الناخب إلى غرفة الاقتراع.

وهناك، بعيداً عن المنصات والبيانات والخطب، لن يكون للصورة القديمة وحدها ما يكفي.

فالناس لا تنسى من خذلها، لكنها لا تبحث بالضرورة عن الانتقام؛ إنها تبحث عن طريق للنجاة.

وإذا جاءت الانتخابات بعد كل هذا الألم، فقد لا يكون صندوق الاقتراع صندوقاً لاختيار النواب فقط.

قد يكون صندوقاً تضع فيه غزة والضفة ذاكرة عشرين عامًا من الانقسام، وسنوات الحرب، وعقوداً من الوعود المؤجلة.

وعندها لن يكون السؤال: من ربح الانتخابات؟

السؤال الأكثر قسوة سيكون: هل فهمت الأحزاب أخيراً لماذا غضب الناس؟

فالشعب الذي صبر طويلاً قد يغفر الخطأ، لكنه لا يستطيع أن يغفر أن يُطلب منه الصبر إلى الأبد.

وحين يصل الغضب إلى صندوق الاقتراع، لا يخشى السياسي من خسارة مقعد فقط؛ بل يخشى أن يكتشف أن الناس فقدوا ثقتهم بالطريق كله.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية

اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد